سياسة ألمانيا المالية وتركيبة الإنفاق والضرائب

صورة

طوال فترة تعافي الاقتصاد الألماني من الأزمة المالية العالمية لعام 2008، كان لدى صانعي السياسة مبررات متماسكة للتقشف المالي.

فعملوا على ترسيخ الالتزام الوطني بضبط الموازنة، الذي يحد العجز الهيكلي الفيدرالي بحيث لا يتجاوز 0.35٪ من الناتج المحلي الإجمالي، خلال «عقبة الدين» التي واجهت الاقتصاد الألماني عام 2009 ولاحقاً خلال سياسة «الصفر الأسود» التي تحقق التوازن الكامل للميزانية، رافضين الاقتراحات المستمرة من جانب دول أخرى في منطقة اليورو باتخاذ إجراءات تحفيزية.

يحتج أنصار السياسات التحفيزية بأن زيادة الإنفاق العام الألماني من شأنها تقليل الفائض الضخم في الحسابات الجارية والطلب على الوقود في البلاد، الأمر الذي يعود بالنفع على دول أعضاء أخرى في منطقة اليورو، وخاصة في جنوب أوروبا. لكن مع انخفاض معدل البطالة في ألمانيا وتسجيلها نمواً قوياً نسبياً، تخوّف صانعو السياسة في برلين، لأسباب مفهومة، من أن تدفع هذه التدابير الاقتصاد المحلي إلى حالة من النشاط المفرط.

ومع ذلك، لم يعد هذا «الفوران الاقتصادي» مصدر قلق في الوقت الحالي. حيث أصبح نمو الناتج المحلي الإجمالي الألماني سلبياً في الربع الثاني، مما يعكس ضعفاً في قطاع الصناعات التحويلية المتأثر بالتجارة. وإذا اتضح أن نمو الربع الثالث كان سلبياً أيضاً، حينها سيصبح الاقتصاد رسمياً في حالة ركود.

وسوف تنخفض إيرادات الضرائب بسبب تباطؤ نمو الدخل، وبالتالي يتقلص فائض الميزانية في ألمانيا. الأمر المؤكد أنه لا ينبغي للسلطات أن تتخذ خطوات للحفاظ على هذا الفائض.

بل على العكس من ذلك، يجب على الحكومة أن تستجيب لأي تباطؤ بزيادة الإنفاق، أو خفض الضرائب، أو كليهما. وعلى وجه الخصوص، يجب أن تزيد الحكومة من إنفاقها على صيانة وتحديث البنية التحتية، وبإمكانها خفض الضرائب على الرواتب أيضاً.

ربما تحد القيود القانونية التي تهدف إلى كبح الدين من حجم التحفيز الاقتصادي، لكنها لا تزال تترك له بعض المساحة.

في نهاية المطاف، لا يشكل الاستثمار في البنية التحتية رهاناً على المستقبل بالمعنى الاقتصادي الحقيقي. كما أن معدلات الفائدة السلبية - التي يمكن للحكومة أن تقترضها حالياً لمدة عشر سنوات بمعدل -0.5٪ - تعطي مبرراً قوياً للاستثمار في المشاريع العامة ذات العوائد الإيجابية. وتشمل هذه المشاريع الطرق والجسور والسكك الحديدية، وكذلك البنية التحتية غير المادية مثل الجيل الخامس من شبكات المحمول.

إن موقف الألمان الذكي إلى حد كبير في التعامل مع الديون والعجز يستحق قدراً أكبر من التعاطف. فقبل تأسيس منطقة اليورو في عام 1999، كان المواطنون الألمان يشككون في الضمانات المقدمة لهم في شكل معايير ماستريخت المالية و«بند عدم الإنقاذ».

وكما يشير الألمان، فإن أزمة اليورو عام 2010 ما كانت لتحدث لو أن اليونان، بعد انضمامها إلى منطقة اليورو، حافظت على الانضباط المالي الذي دعا إليه ميثاق الاستقرار والنمو، واتبعت خطوات ألمانيا في إصلاح أسواق العمل والسيطرة على تكاليف وحدة العمل.

ومن ناحية أخرى، لا يستلزم تجنب الانزلاق إلى مسار يؤدي إلى تضخم نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي (كما في حالة اليونان) تجنب إدارة العجز في جميع الأوقات. فهناك مسافة شاسعة بين هذين النقيضين.

أَضف إلى ذلك، أن تركيبة الإنفاق والضرائب من الأمور الحاسمة في السياسة المالية، حيث تستطيع الحكومات أن تستعين بكلا الأداتين لتحقيق أهداف بيئية، على سبيل المثال. في الواقع، ينظر بعض المراقبين إلى التزام ألمانيا المتجدد بتخفيض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بحلول عام 2030، من أجل تحقيق أهداف اتفاقية باريس المناخية لعام 2015، باعتباره تهديداً قوياً لسياسة "الصفر الأسود".

وفي 20 سبتمبر/‏أيلول، أعلنت الحكومة الألمانية عن إجراءات لإنفاق 54 مليار يورو (59.4 مليار دولار) بهدف خفض الانبعاثات. في الولايات المتحدة، قد تُسمى حزمة إجراءات مثل هذه "صفقة جديدة خضراء".

ربما يكون الإنفاق على أولويات مثل الطاقة والبيئة أمراً مفيداً. لكن التعامل بشكل جاد حيال الانبعاثات الكربونية والأهداف البيئية الأخرى لا يعني بالضرورة ظهور عجز أكبر في الميزانية. يمكن للحكومات تعزيز ميزانياتها عن طريق إلغاء الدعم على الوقود الأحفوري ورفع الضرائب على الانبعاثات، أو عن طريق عمل مزادات علنية لمنح تصاريح انبعاثات محدودة.

أو بإمكانها إعادة توزيع الإيرادات الناتجة لتحقيق أهداف أخرى. فالمسألة المهمة بالنسبة لسياسة تغير المناخ هي زيادة سعر الكربون. ويعتمد تحقيق ذلك على إجراء اختيار ذكي بين التوسع والتقشف المالي.

يتعين على الحكومات أن تبني هذا الاختيار السياساتي على معيار مواجهة الدورات الاقتصادية والقدرة على تحمل الديون العامة. حتى الآن، اتخذت دول بعض القرارات المالية السيئة، وخاصة من خلال تخفيض الضرائب على الأغنياء في ذروة دورة الأعمال.

لكن لا ينبغي لصانعي السياسة الألمان ارتكاب الخطأ المناظر المتمثل في الإبقاء على فائض الميزانية، بينما يتعرض الاقتصاد لخطر الانزلاق إلى الركود.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات