حلف شمال الأطلسي وأسباب الانقسام

صورة

في أيامنا هذه، يُنظَر أحياناً إلى الجدال الدائر حول تواجد القوات الأمريكية في بولندا على أنه تحريض لهذا البلد ضد ألمانيا. لكن هذا ليس بيت القصيد. فالخطر يُحدِق بالتماسك الأوروبي في مواجهة الدور الأمريكي غير المستقر وغير المؤكد على نحو متزايد داخل منظمة حلف شمال الأطلسي.

صحيح أن التصريحات التي أدلى بها مؤخراً الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وغيره من كبار المسؤولين الأمريكيين، مثل ريتشارد جرينيل سفير الولايات المتحدة إلى ألمانيا، وجورجيت موسباكر سفيرة الولايات المتحدة إلى بولندا، عملت على تغذية التصور بأن الولايات المتحدة تعارض ألمانيا سلبياً مع بولندا.

وبينما تنتقد ألمانيا بسبب إنفاقها الدفاعي الهزيل، تبدو الإدارة الأمريكية حريصة على مكافأة بولندا لإنفاقها 2% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع ــ وهو الهدف الذي تعهد كل أعضاء حلف شمال الأطلسي بتلبيته (وإن كان قِلة منهم يلبونه حالياً). كما عملت انتقادات الحكومة البولندية الأخيرة للإنفاق الدفاعي الألماني على تعزيز هذا الانطباع.

بيد أن الحديث عن خلاف ألماني بولندي حول الإنفاق الدفاعي لا يخلو من مبالغة. فعلى الرغم من إعلان الولايات المتحدة عن خطط لإرسال 1000 جندي إضافي إلى بولندا، بالإضافة إلى 4500 جندي متمركزين هناك بالفعل، فليس من الواضح ما إذا كانت القوات الإضافية سَتُسحَب من القوات المتمركزة حالياً في ألمانيا، أو من الولايات المتحدة.

وحتى لو جاءت القوات الإضافية من ألمانيا، فإن هذا لن يمثل تحولاً استراتيجياً أمريكياً كبيراً. علاوةً على ذلك، صرّحت الحكومة البولندية ذاتها مراراً وتكراراً بأنها لا تنظر إلى التواجد العسكري الأمريكي في البلاد على أنه قضية محصلتها صِفر عندما يتعلق الأمر بألمانيا أو غيرها من أعضاء حلف شمال الأطلسي في أوروبا.

ولكن في الوقت ذاته، هناك سبب أكثر عمقاً وإثارة للقلق وراء استئثار مسألة القوات الأمريكية في بولندا بهذا القدر العظيم هذا الاهتمام السياسي. فقد أثارت تصريحات ترامب المتضاربة ــوالمعادية بشكل صريح غالباًــ بشأن حلف شمال الأطلسي الشكوك حول مصداقية الالتزامات الأمنية الأمريكية في أوروبا.

وقد أدت هذه الحالة من عدم اليقين بدورها إلى تعميق الخلافات السياسية داخل الاتحاد الأوروبي وبين أعضاء حلف شمال الأطلسي في أوروبا.

ورغم أن هذه الانقسامات لا تدور بين أوروبا الغربية والشرقية، فإنها تعكس فارقين إقليميين رئيسيين.

يكمن الانقسام الأول بين الدول التي تتبنى نظرة مسترخية نسبياً للتحدي الأمني الذي تشكّله روسيا وتلك التي ترى فيها تهديداً كبيراً وفورياً لرفاهتها. ومنذ تخلت ألمانيا عن مركز المواجهة الذي كانت تتخذه خلال مواجهة الحرب الباردة بين الشرق والغرب، فإنها كانت تعتبر حلف شمال الأطلسي في المقام الأول أداةً سياسيةً أكثر من كونه أداةً للدفاع الفعّال والتدخلات خارج المنطقة.

وعلى هذا فإن صُناع السياسات الألمان يتمتعون بترف النظرة المجردة إلى مصداقية الولايات المتحدة والتي تعتمد في الأغلب على تصريحات ترامب وتغريداته. في حقيقة الأمر، تدور في برلين أحاديث كثيرة هذه الأيام حول زيادة «الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي» عن الولايات المتحدة.

لكن دول خط المواجهة اليوم، بما في ذلك بولندا، ودول البلطيق، ورومانيا، لا تتمتع بترف التفكير على هذا النحو. فهي بدافع الضرورة، تقيس المصداقية الأمريكية أولاً وقبل كل شيء وفقاً لما تقوم به إدارة ترامب والمؤسسة العسكرية الأميركية من أفعال على الأرض.

ومن منظور هذه الحكومات، تشكل حقيقة نشر الولايات المتحدة لقواتها ومشاركتها في المناورات العسكرية في المنطقة أهمية أكبر كثيراً من تغريدات ترامب المناهضة لحلف شمال الأطلسي.

كما ينقسم أعضاء حلف شمال الأطلسي بأوروبا في ما يتعلق بالدور الذي تلعبه الأسلحة النووية. فلا تبالي ألمانيا بمثل هذه القضايا، وحتى في الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي من أوروبا الشرقية، يبدو أن المسؤولين والأكاديميين لديهم أقل القليل من المعرفة التفصيلية حول سياسة الأسلحة النووية.

على سبيل المثال، تؤكد دول البلطيق بدلاً من ذلك على الدفاع ضد تهديدات الأسلحة الهجين أو غير النووية. وكما أسرَّ لي مسؤول رفيع المستوى في وزارة الخارجية في لاتفيا مؤخراً، فإذا كان الردع النووي الأولوية القصوى لحلف شمال الأطلسي، فإن بلده قد يُحتَل عسكرياً قبل أن يصبح منع التصعيد النووي من قِبَل روسيا أمراً ذا أهمية بفترة طويلة.

بدلاً من ذلك، يرى أعضاء حلف شمال الأطلسي في أوروبا الشرقية تواجد الأسلحة النووية الأمريكية في أوروبا من منظور استراتيجي سياسي.

والمهم في نظرهم ليس التفاصيل حول المحصلة التفجيرية للأسلحة، أو أنظمة إيصالها، أو مواقعها، بل ببساطة حقيقة وجودها هناك. بالنسبة للأوروبيين الشرقيين، تدعم هذه الأسلحة التزام أمريكا السياسي بأمن القارة. وعلى هذا فإن مطالبات الساسة الألمان، وخاصة على اليسار، بإزالة هذه الأسلحة من المرجح أن تستقبل بالعداء في بولندا والدول الأخرى الشرقية المجاورة لألمانيا.

بينما يعمل ترامب على زيادة حرارة الجدال الدائر حول تقاسم الأعباء ويواصل هجماته على حلف شمال الأطلسي وأعضائه فرادى، فمن المرجح أن تزداد الانقسامات الأوروبية عمقاً.

ويتعين على حكومات أوروبا أن تدير هذه الصراعات بينما تسعى جاهدة لجعل القارة أكثر قدرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي على المستويين الأمني والدفاعي. والسؤال المهم حقاً الآن هو ما إذا كانت حكومات أوروبا لتفعل ذلك، وكيف ــ وليس ما إذا كان في الإمكان تحريك بضع مئات من القوات من ألمانيا إلى بولندا.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات