الناتج المحلي الإجمالي وخيار النمو الأسرع

صورة

هناك دوماً قدر كبير من عدم اليقين في معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوية، ولهذا السبب يجب النظر إلى دقة توقعاتنا على أنها تعكس قدراً كبيراً من الحظ.

من البديهي أن يكون النمو الاقتصادي الأسرع أفضل من النمو الاقتصادي الأبطأ. وتستند هذه المشاعر إلى حقيقة مفادها أن الملايين من البشر يستفيدون من معدلات النمو الأعلى، والتي تكون مصحوبة عادة بأجور أعلى ومعدلات بطالة أقل، وهو ما يساعد بشكل خاص من هم في أسوأ حال.

ولكن اليوم، كان النفور من إدارة ترامب شديداً إلى الحد الذي جعل كثيرين، بما في ذلك بعض زملائي الاقتصاديين، يتحمسون للنمو الاقتصادي الأقل لمجرد هدف حرمان الرئيس الأمريكي ترامب من أي فوز سياسي.

الحق أنني أتفهم وجهة النظر هذه، لكني لا أزال أعتقد أن الفوائد المباشرة المترتبة على الاقتصاد الأفضل تفوق هذا النوع من الحسابات السياسية. والأمر الأكثر أهمية هو أن المستفيدين ــ الذين يشملون أغلب الناس ومعظم الناخبين ــ لا بد وأنهم يفضلون النمو الأسرع.

كان نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في أمريكا في الربع الأول من هذا العام بنسبة 3.2% مبهراً، تماماً كما كان النمو بنسبة 3% في المتوسط في عام 2018 (من الربع الرابع من عام 2017 إلى الربع الرابع من عام 2018).

منذ نهاية الركود العظيم ــ الذي دام من 2011 إلى 2017 ــ لم يتجاوز نمو الاقتصاد الأمريكي 2.1% سنوياً في المتوسط. تُرى ماذا كان وراء التسارع الأخير من أسباب؟

كانت نظرتنا للإصلاح الضريبي لعام 2017، والذي دخل حيز التنفيذ في عام 2018، قبل حدوثه، والآن بعد حدوثه، بوصفه داعماً للنمو. ولكن كان هناك ــ ولا يزال ــ الكثير من الجدال حول حجم التأثيرات الاقتصادية الكلية المترتبة على هذه التغييرات الضريبية.

في يناير من عام 2018، وانطلاقاً من رغبتها في حل بعض النزاع، استعانت مؤسسة بروكنجز برجل الاقتصاد جيسون فورمان (رئيس مجلس المستشارين الاقتصاديين في عهد الرئيس باراك أوباما)، وبي شخصياً، لكتابة ورقة بحثية مشتركة تركز على تأثيرات النمو المتوقعة نتيجة للتغييرات الضريبية.

لا شك أن مؤسسة بروكنجز تصورت أن الدمج بين المنظور الليبرالي (الذي يتبناه فورمان) ومنظوري الشخصي (الذي أعتبره مؤيداً للسوق) من شأنه أن يجنبنا الانحياز السياسي، فيعمل بالتالي على توليد تقديرات أقرب من المعتاد إلى «الحقيقة». وأنا أترك مسألة تقييم مدى نجاح هذه المحاولة الجريئة لتحقيق الإجماع لمراقبين آخرين.

أكد قسم كبير من تحليلنا على التغييرات الضريبية للشركات، بما في ذلك خفض معدل الضريبة الفيدرالية على أرباح الشركات من 35% إلى 21% (للشركات الخاضعة للضريبة بشكل منفصل عن حاملي أسهمها، والتي تتضمن أكبر الشركات) وتخفيض أقل في معدل الضريبة للشركات العابرة (الشراكات، والشركات ذات المسؤولية المحدودة، والملكية الفردية).

وقد استفادت كل الشركات من الانتقال إلى الاحتساب الكامل لتكاليف المعدات، وإن كان هذا التغيير لم ينطبق على الهياكل.

وتوقع بحثنا زيادة كبيرة في الأمد البعيد في تراكم رأس المال، وكان هذا ليولد مكاسب كبيرة في إنتاجية العمل والأجور الحقيقية. وكان المتوقع أن نرى نمواً أعلى للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي على مدار عشر سنوات بمتوسط نحو 0.2% سنوياً. وبالتالي، كان تأثير النمو المتوقع معتدلاً لكنه طويل الأمد.

كان التغيير المهم الآخر في حزمة 2017 الضريبية الخفض الشامل تقريباً لمعدلات ضريبة الدخل الهامشية على الدخل الفردي. في المتوسط، كان الانخفاض في معدل الضريبة الهامشية نحو 2.3 نقطة مئوية (بعد تعديله نزولاً من 3.2 نقاط مئوية لمراعاة تراجع القابلية للخصم من ضرائب دخل الدولة).

بالمقارنة، كان متوسط خفض المعدلات الضريبية الهامشية 4.5 نقاط مئوية بموجب تشريع الرئيس رونالد ريغان لعام 1986؛ ونحو 3.6 نقاط مئوية بموجب التخفيضات الضريبية في عهد الرئيس جون كينيدي، والتخفيضات الضريبية في عهد الرئيس ليندون جونسون التي أقرت في عام 1964؛ ونحو 2.1 نقطة مئوية بموجب إصلاح الرئيس جورج دبليو بوش في عام 2003.

وتشير تقديراتنا أنا وفورمان استناداً إلى أبحاث سابقة إلى أن التخفيضات الضريبية التي أقرها الرئيس دونالد ترامب من شأنها أن تدفع نمو الناتج المحلي الإجمالي بنحو 0.9% سنوياً للفترة 2018-2019، لكنها لن تساهم في النمو بعد ذلك. وعلى هذا فإن تأثير النمو المتوقع كان أكبر من التأثير الذي خلفته التخفيضات الضريبية للشركات في الأمد القريب، لكنه أصغر في الأمد البعيد.

عندما قمنا بحساب الزيادة الإجمالية في نمو الناتج المحلي الإجمالي في الأمد القريب، توصلنا إلى تقديرها بنحو 1.1% سنوياً للفترة 2018-2019. وعندما أضفناه إلى توقعات النمو الأساسي المقدرة بنحو 2% (والتي تعكس الإجماع الحالي والتاريخ الحديث)، كان التأثير الإضافي المقدر نتيجة لقانون الضرائب لعام 2017 يشير ضمناً إلى توقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو 3.1% سنوياً للفترة 2018-2019. وبصراحة، على الرغم من توفر عنصر الحظ هنا بلا أدنى شك، فإن هذا هو أفضل توقع للنمو يمكنني أن أتذكر أنني قدمته على الإطلاق.

علاوة على ذلك، تتناقض توقعاتنا في أوائل 2018 للتأثيرات التراكمية الناجمة عن قانون 2017 مع توقعات الركود التي أعلنها العديد من خبراء الاقتصاد. فضلاً عن ذلك، دخلت في رهان مع زميل شهير من هارفارد والذي وعد بالتهام قبعته إذا استمر نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3% لفترة أطول.

وأذكر أن الرهان حدد الفترة بعامين كاملين ــ 2018-2019 ــ لكنه الآن يتذكر الفترة على أنها ثلاث سنوات من 2018 إلى 2020. وأعتقد أنني لا بد أن أكون على صواب، لأنني لم أتوقع قَط نمواً اقتصادياً مرتفعاً لعام 2020.

بطبيعة الحال، من الممكن دوماً العثور على أسباب لخطأ توقعات المرء. ومن الحجج الشائعة حالياً من هذا النمط أن بنك الاحتياطي الفيدرالي اتضح أنه أكثر توسعية مما كان المرء ليتوقع.

على نحو مماثل، ظهرت توقعات مفادها أن الحرب التجارية مع الصين ودول أخرى من شأنها أن تثبط النمو الاقتصادي ــ وهو التخوف الذي أعربت عنه على وجه التحديد الخريف الماضي (وإن كنت لا أزال قلقاً في هذا الصدد).

في الأساس، يجب النظر إلى التوقعات كتلك التي توصلت إليها أنا وفورمان في أوائل عام 2018 بنمو الناتج المحلي الإجمالي بنحو 3.1% باعتبارها توقعات غير مشروطة يمكن تفسير فشلها بالاستعانة بمجموعة من الأحداث التي لا يمكن توقعها.

روبرت جيه.بارو - أستاذ علوم الاقتصاد في جامعة هارفارد وباحث زائر لدى معهد المؤسسة الأمريكية. وقد اشترك مع راشيل ماكليري في تأليف كتاب «ثروة الأديان» الذي سيصدر قريباً عن مطبعة جامعة برينستون.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات