القواعد المالية للاتحاد الأوروبي وأهمية المراجعة

صورة

إن الحاجة إلى مراجعة القواعد المالية للاتحاد الأوروبي واضحة. يجب على الأحزاب السياسية الرئيسية التي ستتنافس في انتخابات البرلمان الأوروبي في شهر مايو الاعتراف بهذا التعديل والدفاع عنه علانية. في الوقت الذي يتم فيه التشكيك في أهداف الاتحاد الأوروبي، فإن المحرمات الاقتصادية هي آخر ما تحتاج إليه أوروبا.

إن الميثاق الأوروبي للاستقرار والنمو -الذي يفرض القواعد المالية على الدول الأعضاء- يشبه ملابس الإمبراطور الجديدة. يرى الجميع تقريباً أن ذلك ليس صحيحاً، لكن البعض يعترف بذلك علانية. هذا الصمت المخادع سيئ اقتصادياً وسياسياً.

بداية، فإن قواعد الاتفاقية معقدة للغاية بحيث لا يمكن لأي وزير تقريباً فهمها، ناهيك عن البرلمانيين. هناك بالفعل العديد من مقترحات الإصلاح لتبسيط الأمور، بما في ذلك اقتراحات من مجموعة من الاقتصاديين الفرنسيين والألمان الذين أنتمي إليهم.

ستعطي معظم هذه المقترحات أهمية أقل لتقدير عجز الميزانية المعدل دورياً في الدول الأعضاء -وهي عملية حسابية صعبة للغاية- وستركز بدلاً من ذلك على مراقبة نمو الإنفاق العام. على وجه التحديد، ستلتزم كل حكومة بنفقات تماشياً مع توقعات النمو الاقتصادي للبلاد وإيرادات الضرائب المتوقعة، والتي تتماشى مع هدف الديون المتوسطة الأجل.

ستكون هناك إدارة أصغر من جانب مؤسسات الاتحاد الأوروبي، ومساحة أكبر لاتخاذ القرارات الوطنية، ومسؤولية أكبر للحكومات الفردية.

لم يبد الوزراء حتى الآن اهتماماً كبيراً بالإصلاحات الجذرية، لكن يوجد الآن سبب آخر لإصلاح الإطار المالي للاتحاد الأوروبي: الظروف الاقتصادية الحالية مختلفة تماماً عن الظروف التي انعقدت فيها الاتفاقية منذ أكثر من عقدين. وكما قال جون ماينارد كينز ذات مرة: «عندما تتغير الحقائق، أغير رأيي». وليس هناك شك في أن الحقائق قد تغيرت بالفعل.

دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في عام 1997. في ذلك الوقت، كان متوسط الدين العام لدول الاتحاد الأوروبي الإحدى عشرة التي كانت أول من اعتمد اليورو 60٪ من الناتج المحلي الإجمالي، في حين كان معدل النمو المتوقع يبلغ 3٪ والتضخم 2٪. كان معدل الفائدة طويل الأجل الخالي من المخاطر -والذي ستقترضه معظم دول منطقة اليورو قريباً- يبلغ 5٪.

ومن أجل تحقيق استقرار نسبة الدين عند مستوى 60٪ السائد، كان على الحكومات إبقاء عجز ميزانيتها أقل من 3٪ من الناتج المحلي الإجمالي، أو بمعنى آخر، الحفاظ على رصيد مالي أولي بقيمة صفر (الإيرادات ناقص النفقات، دون حساب مدفوعات الفائدة).

هذه المبادئ التوجيهية منطقية للغاية. إذا انخفض النمو أو الإيرادات، أو بدأت الأسواق في طلب المزيد من الأرباح خوفاً من التخلف عن السداد، فسيكون هناك خطر حقيقي يتمثل في خروج الدَّين عن السيطرة، كما أظهرت أزمة الديون السيادية في أوروبا في الفترة 2010-2012 فيما بعد.

وبالتالي، فإن عتبة عجز الناتج المحلي الإجمالي البالغة 3٪ والتي تؤدي إلى تفعيل إجراءات مراقبة السياسات الأقوى كانت واسعة بشكل معقول.

في عام 2019، بلغ متوسط الدين للدول الإحدى عشرة 70٪ من الناتج المحلي الإجمالي، في حين يتوقع صندوق النقد الدولي حالياً نمو بنسبة 1.5٪ ومعدل تضخم بنسبة 2٪ (إذا تم تضمين جميع أعضاء منطقة اليورو، سيكون مستوى الدين أقل قليلاً والنمو أعلى قليلاً).

صحيح أن معدل النمو المتوقع هو نصف المستوى الذي كان عليه في عام 1997. ومع ذلك، فإن تثبيت نسبة الديون يتطلب إبقاء عجز الميزانية أقل من 2.5٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وليس بعيداً عن نسبة 3٪ التي حددتها الاتفاقية.

يتمثل التغيير الكبير الذي حدث منذ عقدين من الزمان في انهيار أسعار الفائدة. في الآونة الأخيرة، كان المستثمرون على استعداد لشراء سندات حكومية ألمانية مدتها 10 سنوات بعائد صفري.

إذا أخذنا معدل التضخم بعين الاعتبار، فإن التكلفة الحقيقية للديون بالنسبة لألمانيا ستكون سلبية إلى حد كبير ـ كما هي أيضاً، بدرجة أقل، بالنسبة لفرنسا وإسبانيا ومعظم الدول الأعضاء في منطقة اليورو.

حتى إيطاليا، حيث تجاوز الدين 130٪ من الناتج المحلي الإجمالي مع انخفاض معدل النمو، كانت قادرة على الاقتراض بنسبة 2.6٪، أي أقل بمقدار 2.4 نقطة مئوية من ألمانيا في عام 1997.

في ظل هذه الظروف، فإن الحد الأقصى البالغ 3٪ من الناتج المحلي الإجمالي للعجز المالي هو في الواقع متساهل تماماً.

تُوشير المفوضية الأوروبية إلى أن عتبة 3٪ ليست سوى الحد الأعلى. في عام 2011، تم إدخال تعديلات على الميثاق الذي وضع معايير أكثر صرامة. من المتوقع أن تحافظ بلدان منطقة اليورو على العجز المالي الهيكلي (بعد تصحيح الآثار الدورية) بالقرب من الصفر، ويجب على البلدان التي تزيد نسبة الدين فيها على 60٪ من الناتج المحلي الإجمالي خفض هذه النسبة.

ومع ذلك، فإن القيود الناتجة ضيقة للغاية.

يوجد الاتحاد الأوروبي في مأزق صعب. لا ينبغي أن يسمح للدول الأعضاء عادة بتمويل النفقات الجارية المتكررة مع الديون. ولكن لا ينبغي منعهم من الاستفادة من أسعار الفائدة المنخفضة باستمرار لتمويل استثمارات سليمة اقتصادياً تُفيد الأجيال القادمة.

لذلك، يجب على أوروبا إصلاح نظامها المالي. لا شك في أن الصقور المناهضين للعجز سيحتجون (خاصة في ألمانيا)، لكن الإبقاء على حظر غير مبرر أمر غير قابل للاستمرار من الناحية السياسية.

لماذا يجب على مواطني الاتحاد الأوروبي رفض تحويل الاستثمارات العامة الممولة بالديون إلى البحوث البيئية، والطاقة المتجددة، وأنظمة النقل النظيفة، وغيرها من الجهود لاحتواء تغير المناخ، عندما تجعل الظروف المالية هذه الاستثمارات مربحة بشكل جماعي؟

إن الانتقادات السابقة للميثاق لإهمال التمييز بين الاستثمار والنفقات الجارية صحيحة، إلى الحد الذي يتم فيه تعريف الاستثمار اقتصادياً بدلاً من المصطلحات المحاسبية.

لذلك يجب على الاتحاد الأوروبي الاتفاق على مجموعة من الأهداف (على سبيل المثال، الانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون، خلق فرص عمل أكبر، وتنفيذ إصلاحات اقتصادية تعزز الإنتاجية) والتي تبرر بشكل مؤقت تجاوز الحد المحدد للإنفاق العام (ما لم يكن بالطبع البلد المعني في حالة مالية غير مستقرة).

يجب أن يكون هذا الإعفاء مشروطًا ببقاء أسعار الفائدة طويلة الأجل منخفضة بشكل استثنائي. إذا ارتفعت المعدلات، فسيتعين على الحكومات خفض هذه الاستثمارات وربما إيقافها.

جون بيساني-فيري  - أستاذ في مدرسة هرتي للحكم (برلين) وعلوم بو (باريس).

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات