كلنا مستثمرون نشطون الآن

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

دأب المستثمرون لفترة طويلة على مناقشة ما إذا كان ينبغي لهم إدارة محافظهم الاستثمارية بشكل نشط أو تتبع أحد مؤشرات السوق بشكل سلبي. لكن هذا النقاش أصبح عرضاً جانبياً.

ومن البوادر المشجعة أن الاهتمام يتحول الآن إلى ما هو أكثر أهمية: القرارات الفعالة بشأن التوزيع الاستراتيجي للأصول التي تسهم بشكل كبير في تحديد عوائد الاستثمار فيما بعد. وعلى حد تعبير ميلتون فريدمان في ستينيات القرن الماضي، فقد أصبحنا جميعاً نشطين الآن.

صحيح أن صناديق المؤشرات المتداولة (ETFs)، والتي تدار بشكل سلبي، شهدت نمواً هائلاً حول العالم - من ما يزيد قليلاً عن 200 مليار دولار من الأصول في عام 2003 إلى أكثر من 4.6 تريليونات دولار في العام الماضي - مما مكنها من الحصول على حصة سوقية من الصناديق الأعلى تكلفة والتي تدار بشكل نشط.

وبالطبع، يجب أن يأخذ المستثمرون دائماً الخيار ذا التكلفة الأقل إذا كان دفع رسوم أعلى لصندوق نشط لا يحقق قيمة إضافية كبيرة (خاصة خلال الأسواق الصاعدة، عندما يكون مجرد دخول اللعبة من شأنه أن يحقق عوائد كبيرة). ومع ذلك، خلفت الزيادة السريعة في صناديق المؤشرات المتداولة منخفضة التكلفة تأثيرين مهمين آخرين على أساليب إدارة الاستثمارات.

أولاً، تعرضت رسوم إدارة الاستثمار النشطة للضغط، خاصة بالنسبة للصناديق ذات الأداء الأضعف. على سبيل المثال، انخفضت نسبة مديري صناديق التحوط الذين يتقاضون نسبة «اثنين-عشرين» - رسم إدارة بنسبة 2٪ بالإضافة إلى 20٪ من أي أرباح محققة - إلى أقل من الثلث.

وبالنظر إلى الأداء المتوسط لصناديق التحوط على مدار العقد الماضي وظهور بدائل سائلة، فمن المدهش أن الرسوم لم تتراجع إلى أكثر من ذلك. علاوة على ذلك، انخفض متوسط الرسوم المفروضة على الصناديق النشطة في جميع استراتيجيات الاستثمار من حوالي 1٪ في عام 2000 إلى 0.72٪ في عام 2017، وهو اتجاه هبوطي لا يظهر أي علامات على التوقف.

ثانياً، أدى انتشار صناديق المؤشرات المتداولة إلى إزالة الحد الفاصل بين الاستثمار السلبي والاستثمار المنخفض التكلفة. وبعبارة أدق، فإن الإستراتيجية السلبية تعيد التوازن باستمرار للمحافظ الاستثمارية حتى تتبع مؤشر مرجح بطريقة رسملة السوق.

ومع ذلك، فإن العديد من صناديق المؤشرات المتداولة تتعدى هذا التعريف النموذجي من خلال منح المستثمرين فرص الانتشار في مناطق أو قطاعات أو عوامل استثمار أو أنواع ائتمان معينة، فضلاً عن العديد من «المعايير الفرعية» الأخرى للسوق. والواقع أن هذه الصناديق ليست سلبية، وإنما هي أدوات للتعبير عن أساليب نشطة للاستثمار بطريقة غير مكلفة.

لكن صناديق المؤشرات المتداولة نفسها تواجه تحديات في الوقت الحالي. منذ عدة عقود، أدى ظهور وسائل الاستثمار منخفضة التكلفة، بما في ذلك صناديق المؤشرات المتداولة، إلى زيادة العائدات الصافية للمستثمرين.

على سبيل المثال، بين عامي 1979 و1992، بلغ المتوسط المرجح لنسبة مصروفات صناديق الاستثمار المشتركة للأفراد حوالي 1.5٪ (بما في ذلك رسوم المبيعات). ولكن لأن متوسط الرسوم على الصناديق النشطة يقل الآن عن 75 نقطة أساس، مقابل حوالي 44 نقطة أساس لصناديق المؤشرات المتداولة، فإن الفائض في عوائد صناديق المؤشرات المتداولة آخذ في التناقص.

أضف إلى ذلك تزامن التوسع السريع في صناديق المؤشرات المتداولة مع الأسواق الصاعدة. في السابق، كان أداء المؤشر يقرر إلى حد كبير اختيار السندات، وكان توزيع الأصول يعني أكثر من مجرد تكديسها في الأسهم والسندات والائتمان. لكن من المحتمل أن تلك الأيام قد ولت.

فمن غير المرجح تحقيق المزيد من التقدم المستدام في السوق، نظراً للتقديرات المطاطية لقيم الأسهم والسندات، وتباطؤ نمو الاقتصاد والأرباح، وزيادة حالة عدم اليقين في السياسة والسياسات. ومن المحتمل أن تنخفض عوائد السوق على النطاق الأوسع، مع احتمال زيادة وتيرة حدوث التقلبات.

في عالم تسوده العوائد المنخفضة، وتضيق فيه الفجوة في الرسوم بين وسائل الاستثمار النشطة والسلبية، يجب على المستثمرين تحويل انتباههم من الوصول منخفض التكلفة إلى الأسواق إلى إنشاء محافظهم المالية بشكل سليم.

ففي النهاية، سيحدد اختيار إستراتيجية توزيع الأصول التي يجب اتباعها الجزء الأكبر من عائد محفظة الاستثمار. أما العوامل أخرى، مثل التوزيع التكتيكي للأصول أو اختيار أداة الاستثمار، فهي ذات أهمية ثانوية وربما تمثل أقل من 10٪ من تباين معدل عائد المحفظة.

الخطأ الأكبر الذي قد يرتكبه المستثمرون في بيئة اليوم هو البحث عن ملاذ آمن في المحافظ «المتوازنة» من حيث الأسهم والسندات. حيث تعاني كلتا الفئتين من الأصول من تقييمات غير جذابة وتدهور مقوماتها الأساسية. لذلك يصعب تصديق الفكرة القائلة بأن الاحتفاظ بنسبة متساوية تقريباً من كل من الفئتين سيحقق نتائج مرضية.

بدلاً من ذلك، يجب أن يدرك المستثمرون أن انخفاض العوائد المعدلة تبعا للمخاطر - كما يتضح من انخفاض نسب شارب - وتغير العلاقات السوقية المتبادلة من العوامل التي تشجع على التنويع الحقيقي للاستثمار وتجنب الخسائر.

يتطلب التنويع أن يهتم المستثمرون بالسوق، وعوامل الإنتاج، والمصادر اللا اتجاهية للعوائد، وكذلك التركيز على التقلبات والعلاقات السوقية المتبادلة. أما تجنب الخسائر فهو يتطلب اتخاذ قرارات مرنة لخفض احتمالات التعرض للخطر عند الضرورة.

قد تكون بعض الأدوات التي يحتاجها المستثمرون لتحقيق التنويع وتجنب الخسائر منخفضة التكلفة. لكن من غير المحتمل العثور على الكثير منها في صناديق المؤشرات المتداولة، بما في ذلك الاستراتيجيات الطويلة /‏ القصيرة أو استراتيجيات «علاوة المخاطرة» البديلة. لذلك من المرجح أن يوفر النهج المختلط أكبر فوائد التنويع.

على المستثمرين التركيز على اتخاذ القرار الحاسم بشأن توزيع الأصول الاستراتيجية، بدلاً من القلق حول ما إذا كانت محافظهم تدار بشكل نشط أو سلبي. فقد بلغ الجدال المنهك حول الاستثمار النشط والسلبي منتهاه. والحق أننا جميعا مستثمرون نشطون الآن.

لاري هاثاواي - رئيس قسم حلول الاستثمار وكبير الاقتصاديين في مجموعة GAM.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات