نحو عمل جماعي لأجل مستقبل الأرض المستدام

ليو زينمين

ينبغي على المجتمع الدولي، وبدل التخلي عن تعددية الأطراف، تعزيز العمل الجماعي. وفقط عن طريق العمل الجماعي يمكننا تحقيق إنجازات كبيرة لفائدة كل الناس. وإذا أخفقنا في هذا، سنخفق في توفير التنمية المستدامة للجميع. ونظراً لكون مستقبل كوكبنا ورفاهيتنا المشتركة معرضاً للخطر، فليس هناك ما يبرر عدم التدخل.

عندما ضرب الإعصار الحلزوني إيداي موزمبيق، ومالاوي، وزيمبابوي، ومدغشقر الشهر الماضي، قَتل ما يناهز ألف شخص، وشَرّد ما يناهز مئات آلاف آخرين وجوعهم وجعلهم عرضة للإصابة بالأمراض، ووفقاً للتقديرات، يرجح أن الإعصار دمر ما قيمته أكثر من مليار دولار من البنية التحتية.

وأصبحت مثل هذه الأعاصير مألوفة وميؤوساً منها. لقد كان أيدار آخر إعصار من سلسلة الظواهر الجوية البالغة الشدة، ما يبين لنا أن الآثار المدمرة لتغير المناخ لا تكمن في المستقبل البعيد، بل في حاضرنا. والأسوأ من هذا أن أفقر سكان العالم وأكثرهم هشاشة هم الأكثر تضرراً منها. وستضطر موزمبيق- البلد الأكثر تضرراً من إيداي- إلى إعادة البناء وأيديها مكتفة إلى الوراء، لأنها ما زالت تتفاوض من أجل إعادة بناء ديونها غير المستدامة.

وللتصدي لهذه التحديات، اعتمد المجتمع الدولي برنامج 2030 للتنمية المستدامة، التي كانت خطوة نحو الرفاهية والاستدامة المشتركتين. لكن أهداف التنمية المستدامة لن تحقق ما لم نصلح أنظمتنا المالية وفقاً لخطة عمل أديس أبابا التي وضعتها الأمم المتحدة. إننا نحتاج إلى هندسة مالية عالمية ستمكننا من تمويل المشاريع الضرورية (بما في ذلك تلك المتعلقة بالبنية التحتية)، والاستجابة السريعة للصدمات، ووضع الدولة التي تعاني من صعوبات في ظروف مالية مناسبة.

ولقد حصل تحسن نسبي، إذ لاحظ تقييم جديد للتمويل العالمي للتنمية المستدامة، الذي أنجزته الأمم المتحدة بتعاون مع صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أن اهتمام القطاع الخاص بالتمويل المستدام يتزايد، فضلاً عن تزايد إدراج أهداف التنمية المستدامة في الميزانيات العامة وجهود التعاون من أجل التنمية، لكن هذه التغيرات لا تحدث بوتيرة سريعة بما يكفي، ولا تحدث على النطاق المطلوب. مثلاً، في النصف الأول من عام 2018، بلغ مجموع استثمارات القطاع الخاص في البنية التحتية للدول النامية 43 مليار دولار، أي أقل مقارنة مع نفس الفترة من عام 2012. ومن أجل تحقيق هدف توفير التعليم الابتدائي العالمي مع حلول عام 2030، يجب إنفاق أكثر من ضعف ما ينفق على التعليم سنوياً في أفقر دول العالم.

وفي نفس الوقت، ينبغي التصدي للمخاطر المنهجية الخفية من أجل تفادي الأزمات في المستقبل. وهنا، لا يوحي المستقبل بالتفاؤل، إذ، عرف النمو الاقتصادي ارتفاعاً بنسبة 3%، وهي قيمة أبعد مما يقتضيه القضاء على الفقر في العديد من الدول. وفي عام 2017، ارتفعت الأجور (بعد ضبط التضخم) بنسبة 1.8 فقط، وهي أقل نسبة في عشر سنوات. ويعيش معظم سكان العالم اليوم في بلدان تعرف مستويات مرتفعة من اللامساواة في الأجور، ومع أن العولمة عززت الرفاهية إلى حد كبير، ومكنت من تحقيق تقدم كبير في مكافحة الفقر، لم توزع المكاسب بتساو، إذ أقصيت العديد من الأسر والمجتمعات والدول من الرفاهية المتزايدة.

ونظراً لهذه الظروف، ليس مفاجئاً أن تتراجع الثقة في تعددية الأطراف في العديد من أنحاء العالم. ومع أن النظام المتعدد الأطراف يواجه أزمة الشرعية، فهو يحظى أيضاً بفرصة. ويجعلنا التغير السريع- في سياسات الحكومة، والمناخ- أن نركز أكثر على التحديات المتمثلة في الترتيبات الحالية في المالية العالمية، والتجارة، والديون، والضريبة التجارية وفي مجالات أخرى، ولأننا نلقي نظرة من جديد على هذه الترتيبات، يمكننا توجيه هذه الترتيبات صوب تحقيق هدف التنمية المستدامة.

مثلاً، ركزت الحاجة الملحة للاستثمارات الطويلة الأمد من أجل التصدي لتغير المناخ على التوجيه القصير الأمد للأسواق الرأسمالية، وأنقص من أهمية مواءمة المحفزات التي تتحكم في سلوك الفاعلين في النظام المالي. ويمثل خضوع أكثر من 588 مليار دولار من البضائع للقيود التجارية مع حلول منتصف أكتوبر 2018- وهو ارتفاع بنسبة سبعة أضعاف مقارنة مع العام الماضي، أزمة النظام التجاري المتعدد الأطراف، لكنها تمثل أيضاً فرصة للنهوض بسياسة أكثر عدلاً لمواجهة العولمة.

وعلى غرار موزمبيق، هناك الآن على الأقل 30 دولة نامية وضعيفة الدخل تواجه خطر أزمة الديون، لكن زيادة مخاطر الديون السيادية، التي تتزامن مع تغيير هندسة الدائن، نبّه المجتمع الدولي بالثغرات في الهندسة الحالية لاستدامة الديون السيادية.

وختاماً، كانت الرقمنة السبب وراء احتدام النقاش بشأن تصميم النظام الضريبي الدولي وتأثيره على اللامساواة. وبين تركيز السوق المتزايد، خاصة في قطاع الاقتصاد الرقمي، وهناك بحق ضرورة لمعالجة الانعكاسات التوزيعية للتكنولوجيا الجديدة- داخل الدول وبينها.

إن السياسات القومية للزيادة من الضرائب، وجذب الاستثمارات، ومواءمة الأنظمة المالية المحلية مع أهداف التنمية المستدامة، ضرورية لتوجيه التغيير الذي نحتاجه، لكن لا يمكن أن تحل- الدول التي تشتغل وحدها- مشاكل العالم الأكثر إلحاحاً.

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية.

opinion@albayan.ae

طباعة Email
تعليقات

تعليقات