شعبويو أوروبا وشروط هزيمتهم

سلافومير سيراكوفسكي

توجد اليوم حكومات شعبوية أكثر من أي وقت مضى، وإلى الآن لم يتم التصويت لإخراج الشعبويين من السلطة في أي بلد غربي، وعلى الرغم من أن رئيس سلوفاكيا يتمتع بسلطة رمزية فقط فإن الناشطة في مجال مكافحة الفساد زوزانا كابوتوفا تمكنت من تحقيق انتصار كاسح على المرشح الشعبوي في عطلة نهاية الأسبوع الماضية، وهذا النصر قد ينذر بحصول تغيير في قدرة الشعبويين على التحكم بالمشهد السياسي في أوروبا، وفي الوقت نفسه فإن انتصار الكوميدي التلفزيوني الذي لا يتمتع بخبرة سياسية فولودمير زيلينسكي في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية الأوكرانية يوحي بأن الموجة الشعبوية لم تصل لذروتها بعد.إن بالإمكان هزيمة الشعبويين ولكن بشرط واحد وهو وجود معارضة موحدة، ولكن للأسف فإن الانقسامات السياسية منتشرة بين أحزاب المعارضة مما يصب في مصلحة القوى الشعبوية وهذا ينطبق على بولندا طالما أن البلاد غير قادرة على السير في الاتجاه المعاكس لذلك التوجه كما ينطبق ذلك على كل بلدان الاتحاد الأوروبي التي يحكمها الشعبويون:هنغاريا وجمهورية التشيك وسلوفاكيا وإيطاليا.

على سبيل المثال في هنغاريا، أظهر الاشتراكيون لمرحلة ما بعد الشيوعية وحزب جوبيك لمرحلة ما بعد الفاشستية ولفترة طويلة احتقاراً لبعضهم البعض أكثر من احتقارهم لرئيس الوزراء فكتور اوربان وعندما بدأوا أخيراً بالتعاون بعد سنوات من الهزائم الساحقة، جاء ذلك التعاون متأخراً للغاية وبدون أثر يذكر. لقد تم إسكات الصحافة المستقلة في البلاد منذ ذلك الحين كما أن سلطة اوربان على الدولة تمنح ميزة كبيرة لحزبه فيديسز ولدرجة أن الانتخابات لم تعد تعتبر عادلة طبقاً للمراقبين المستقلين.

إن من الجدير ذكره أنه على الرغم من ذلك تمكن مرشح مستقل في 25 فبراير 2018 وبدعم عريض من أحزاب المعارضة من الفوز برئاسة بلدية هودميزوفاسارهيلي وهي معقل لحزب فيديسز ولولا ذلك الاقتتال بين أحزاب المعارضة خلال الفترة التي سبقت الانتخابات البرلمانية في أبريل الماضي، لما تمكن حزب فيديسز من الفوز بنحو 50% من الأصوات ولما تمكن اوربان من الحصول على الوسائل اللازمة لتعزيز سلطته.

أما في إيطاليا فهناك انقسامات لليسار واليمين ضمن الائتلاف الحاكم والمعارضة ومن أجل تشكيل الحكومة العام الماضي اضطرت حركة النجوم الخمس الشعبوية أن تتوصل إلى تفاهم مع حزب الرابطة الوطنية ومعا فازوا بنحو 50% من الأصوات مقارنة بنحو 20% للحزب الديمقراطي التقليدي وأقل من 15% لحزب فورزا إيطاليا لرئيس الوزراء السابق سيلفيو بيرلسكوني.

إن هذا يعني أنه حسب الوضع الحالي فإن الشعبويين الإيطاليين لا يوجد منافس لهم قد يخسرون لمصلحته ولكن بينما تمكنت حركة النجوم الخمس من الحصول على أكبر حصة من الأصوات في الانتخابات في مارس الماضي فإن الرابطة تمكنت منذ ذلك التاريخ من تجاوز الحركة في استطلاعات الرأي والانتخابات المحلية. إن هذا التوجه يعكس توجهاً عاماً وهو أن الشعبويين اليمينيين تمكنوا من الاحتفاظ بشعبيتهم عند تسلمهم الحكم بينما تعثر نظراؤهم اليساريين.

أما في سلوفاكيا فلقد تم أخيراً هزيمة الحزب الشعبوي اليساري سمير-س دي وزعيمه رئيس الوزراء السابق روبرت فيكو بعد عقدين تقريباً في الحكم ولكن بدعم يزيد على 20% فإن سمير لا يزال أقوى حزب بمفرده بالبلاد وفي الوقت نفسه هناك على أقل تقدير عشرة أحزاب معارضة لديها فرصة دخول البرلمان في الانتخابات القادمة بما في ذلك حزب كابوتوفا التقدمي السلوفاكي وهو حزب جديد نسبياً يتمتع حالياً بدعم يصل إلى 3% فقط.

إن زعامة حزب سياسي في سلوفاكيا لا تعتبر بحد ذاتها إنجازاً عظيماً فحزب «نحن عائلة» المحافظ بقيادة رجل لديه تسعة أولاد من ثماني نساء فاز بنسبة 6.6% من الأصوات في الانتخابات البرلمانية الماضية وبالإضافة إلى ذلك نحو 25% من الناخبين يدعمون بشكل مستمر اليمين المتطرف والمنقسم بدوره بين مارينا كوتليبا (حزب سلوفاكيا لنا) والحركة التي يتزعمها القانوني الذي ينتمي لليمين المتطرف ستفان هارابين.

على الرغم من ذلك فإن انتصار كابوتوفا قد أعطى زخماً لمعارضي الشبعوية في أماكن أخرى ليس أقلها في جمهورية التشيك والتي حظيت حملتها بدعم توماس هاليك وهو قس كاثوليكي وفيلسوف بارز وكارل شوارزينبيرغ وهو وزير خارجية تشيكي سابق وفي الانتخابات العامة والتي جرت في أكتوبر 2017، يبدو أن الناخبين التشيك قرروا أن بلادهم السعيدة والمسالمة تستحق أن تحظى ببعض الجنون وعليه قاموا بمنح أصواتهم لاندريج بابيس هو ملياردير من أصول سلوفاكية تلاحقه الفضائح وقد وصفه الكثيرون بترامب التشيكي.

إن رئاسة التشيك هي حالياً في أيدي ميلوس زيمان وهو ديمقراطي اجتماعي تحول إلى قومي ومعجب بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين. يبدو أن زيمان وبابيس يتصرفان وكأنهما في تنافس على لقب أكثر السياسيين إثارة للإحراج، فزيمان على سبيل المثال قام بإقامة احتفال لحرق ملابس داخلية حمراء ضخمة والتي تم استخدامها من قبل مبادرة الفن الجماعي زتوهوفين من أجل السخرية منه وبدوره قام بابيس بتدبير اختطاف ابنه وسعى لوضعه في مستشفى للأمراض العقلية في شبه جزيرة القرم التي تحتلها روسيا من أجل منعه من أن يشهد فيما يتعلق بصفقات والده التجارية الفاسدة.

إذاً، لو كانت السياسة البولندية في وضع يشبه سينما القلق الأخلاقي في فترة السبعينيات من القرن الماضي فإن جيراننا في الجنوب يعيشون في خضم كوميديا عبثية ولكن إلى الآن فإن المعارضة المنقسمة- التي تتألف من الحزب المدني الديمقراطي الذي ينتمي ليمين الوسط والحزب التكنو- ليبرالي بايرت وحزب اليمين المتطرف المعادي للهجرة (بقيادة رجل الأعمال الياباني التشيكي توميو اوكامورا) والحزب الشيوعي اوف بوهيميا ومورافيا- فشلت في استغلال الأصوات التي لا تثق برئيس الوزراء.

أخيراً في بولندا اتحدت أحزاب المعارضة ضد حكومة حزب القانون والعدلة الشعوبية وهذا يعتبر إنجازاً ملحوظاً وذلك نظراً لأن المعارضة البولندية منقسمة بين المنصة المدنية وحزب الشعب البولندي الزراعي وتحالف اليسار الديمقراطي لما بعد الشيوعية والحزب العصري الليبرالي الجديد والمبادرة البولندية اليسارية وحزب الخضر وطبقاً لآخر استطلاعات الرأي، فإن ما يسمى بالائتلاف الأوروبي يحظى بنحو 38-42% من الدعم ما يعني أنه من الممكن أن يهزم حزب القانون والعدالة في الانتخابات البرلمانية في أكتوبر.

إن الكثير سيعتمد على ما سيحدث في الانتخابات البرلمانية الأوروبية في الشهر المقبل ولكن توحيد القوى كان أسهل بالنسبة للبولنديين مقارنة بالآخرين في أوروبا وهذا يعني أن بولندا قد تصبح أول دولة ضمن الاتحاد الأوروبي تطيح حكومة شعبوية - في الذكرى الثلاثين لسقوط الشيوعية علماً بأنه سيكون من المناسب جداً أن يشعل البولنديون موجة من التجديد الديمقراطي في طول شرق أوروبا وعرضها كما فعلوا سنة 1989.

* مؤسس حركة كرايتايكا بوليتسزنا ومدير معهد الدراسات المتقدمة في وارسو وزميل في أكاديمية روبرت بوش في برلين

opinion@albayan.ae

طباعة Email
تعليقات

تعليقات