نقطة ضعف حقيقية تهدد منطقة اليورو

صورة

إن الذكرى السنوية العشرين لميلاد اليورو هذا العام، مناسبة جيدة للتأمل في مدى قوة وصلابة الاتحاد النقدي الأوروبي. وفي الواقع فإن ذكرى الأزمة الأخيرة، التي بدأت في الولايات المتحدة عام 2008، لا تزال حية في أذهان الأوروبيين: عانت منطقة اليورو أكثر من الولايات المتحدة، مع تلقي بعض أعضائها لضربات أقوى من غيرها.

والآن وقد عادت منطقة اليورو إلى إظهار علامات تباطؤ ملحوظ مرة أخرى، فمن الأهمية بمكان أن نفهم ما حدث في المرة الأخيرة. فهل تعلمنا أي شيء في السنوات العشرين الأولى من عمر اليورو قد يساعدنا في مكافحة ركود آخر؟

تعتمد الرواية الأكثر شعبية لأزمة منطقة اليورو على نظرية رجل الاقتصاد روبرت مونديل حول «منطقة العملة المثلى»، التي تحذر من إنشاء سياسة نقدية مشتركة في اتحاد يتألف من دول مختلفة تتسم بمستويات مختلفة من المرونة الاقتصادية. تؤكد وجهة النظر هذه أن بلدان منطقة اليورو تفتقر إلى مرونة سعر الصرف التي قد تساعدها في الاستجابة لأي صدمة سلبية.

وما يزيد الطين بلة أن موقف البنك المركزي الأوروبي في التعامل مع السياسة النقدية قد لا يكون مناسباً لكل الدول الأعضاء؛ لأنه يستهدف معدل تضخم متوسطاً في منطقة اليورو. وفي أكثر الدول ضعفاً، قد يؤدي هذا إلى أسعار فائدة حقيقية أعلى من المستوى المطلوب للتشغيل الكامل للعمالة.

يركز سرد آخر على الهشاشة المالية. في أوقات الرخاء، عملت بعض بلدان منطقة اليورو على تكديس قدر مفرط من الروافع المالية (الإنفاق بالاستدانة) بسبب أسعار الفائدة الحقيقية المنخفضة نسبياً ــ والذي يُعزى جزئياً إلى السياسة النقدية ذات المقاس الواحد الذي يناسب الجميع التي انتهجها البنك المركزي الأوروبي.

وربما يؤدي هذا في الدول حيث المؤسسات ضعيفة والحوكمة رديئة إلى خسارة القدرة التنافسية والاستهلاك المفرط، وعندها تصبح الأزمة أشد سوءاً من المعتاد، فتطلق العنان لانخفاض أسعار الأصول والتخلف عن سداد الديون، ثم يلي ذلك فترة من تقليص الديون وضعف الطلب.

وهنا يبرز سؤالان مهمان: الأول هو ما إذا كانت بلدان منطقة اليورو الأكثر ضعفاً لتصبح في حال أفضل خارج الاتحاد النقدي وباستخدام عملاتها الوطنية. إنها ليست مجرد مناقشة أكاديمية، وذلك نظراً للجماهير الانتخابية الرافضة لليورو على نحو متزايد في بعض البلدان الأعضاء.

السؤال الثاني الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ركود جديد في منطقة اليورو ليتسبب مرة أخرى في اندلاع أزمة تخلف تأثيرات غير متكافئة إلى حد كبير. وسوف تساعدنا الإجابة في تحديد أولويات السياسة في حالة حدوث صدمة اقتصادية.

إجابتي عن السؤال الأول هي: «كلا»، وهذا يرجع إلى حد كبير إلى حقيقة مفادها أن نظرية منطقة العملة المثلى تتجاهل عاملين أساسيين: فأولاً، من الممكن أن تتسبب الأسواق المالية الخاضعة للعولمة وتدفقات رأس المال الضخمة القصيرة الأمد في إحداث تقلبات واسعة في أسعار الصرف في البلدان حيث العملات معومة ــ وفي الاقتصادات الصغيرة المفتوحة على وجه الخصوص.

وكما يتبين من الحال في عدد كبير من دول الاقتصادات الناشئة، فإن تقلبات العملة على هذا النحو ربما تؤثر على قدرة أي دولة على سداد ديونها بالعملة الأجنبية، وربما ترغمها على تبني سياسة نقدية تتعارض مع أهدافها المحلية.

علاوةً على ذلك، لا تضع نظرية منطقة العملة المثلى في الاعتبار التأثير المثبت للاستقرار المترتب على مصداقية البنك المركزي. من الصعب أن نتخيل أن أيرلندا، على سبيل المثال، كانت لتنجح في تجنب أزمة مالية لو كانت قادرة على خفض قيمة عملتها بشكل حاد في عام 2008 ــ خاصة مع تقويم ديونها باليورو وغيره من العملات العالمية القوية.

في سنوات الأزمة التي دامت من 2008 إلى 2013، كان صناع السياسات في منطقة اليورو يتصارعون ضد «الهروب إلى الأمان» نحو الدول الأعضاء الأساسية، وكذا ضد التفتت الجغرافي المتزايد للأسواق المالية، مع تفضيل المستثمرين للسندات الحكومية التي تصدرها بلدانهم.

ونتيجة لهذا، كانت السياسة النقدية المتساهلة التي انتهجها البنك المركزي الأوروبي أقل فعالية مما كانت لتصبح عليه لولا ذلك. في ظل هذه الظروف، من الصعب أن نصدق أن البنك المركزي الوطني كان ليعمل على تأمين علاوة مخاطر أقل من خلال مشتريات الأصول الوطنية المستهدفة إذا كان برنامج تكييف الاقتصاد الكلي يفتقر إلى المصداقية.

كثيراً ما يشير المدافعون عن العودة إلى العملات الوطنية إلى أن دولاً مثل اليابان والمملكة المتحدة كانت أكثر نجاحاً من إسبانيا، وأيرلندا، واليونان، والبرتغال في مكافحة الركود الأخير. لكن وجهة النظر هذه لم تضع في الحسبان أن هذه الدول كانت تاريخياً أكثر تقلباً على المستوى الاقتصادي من ألمانيا أو فرنسا، وأنها ظلت على حالها هذه حتى بعد تبني العملة الموحدة.

وعن السؤال الثاني، فإن أي ركود جديد في منطقة اليورو كان ليخلف في الأرجح تأثيراً أقل تبايناً من الركود في 2008 أو في 2011. اليوم، تحتفظ أغلب بلدان منطقة اليورو بفوائض في الحساب الجاري. والنمو في أيرلندا أسرع من نظيره في الصين، في حين كان أداء إسبانيا والبرتغال طيباً نسبياً. ورغم أن أسعار المساكن القوية تغذي بعض هذا النمو، فإن مستويات الإنفاق بالاستدانة أصبحت أقل مما كانت عليه قبل 10 سنوات. وعلى هذا فإن الركود في هذه البلدان من غير المرجح أن يأتي مصحوباً بأزمة مصرفية مؤلمة قد تزيد الأمور سوءاً.

من ناحية أخرى، تشكل الاقتصادات الثلاثة الكبرى في منطقة اليورو خطراً أكبر في ما يتصل بالركود. فالقطاع المصرفي في كل من ألمانيا وإيطاليا ضعيف ويواجه فترة من التباطؤ الدوري الحاد، والذي يقترن في إيطاليا بنمو منخفض للغاية في الأمد البعيد وارتفاع الدين العام. كما تشهد فرنسا تباطؤ النمو وارتفاع ديون القطاع الخاص. علاوةً على ذلك، قد يسحب الركود في الدول الثلاث الكبرى بلدان منطقة اليورو الأصغر حجماً معه إلى الأسفل.

وسوف يتطلب التعامل مع الصدمة الناتجة عن ذلك في منطقة اليورو بالكامل استجابة مشتركة، حيث تعمل البلدان على تنسيق السياستين النقدية والمالية لتصميم الحوافز المناسبة. لكن تنفيذ مثل هذا التحفيز المالي المنسق لن يكون بالمهمة السهلة ما لم تتولَّ ألمانيا، الدولة التي تتمتع بالقدرة المالية الأكبر، القيادة.

علاوةً على ذلك، يتعين على صناع السياسات أن يحاولوا منع نوبة أخرى من تفتت الأسواق المالية في منطقة اليورو. فكما أظهرت الأزمة الأخيرة، يتسبب مثل هذا التشرذم في عرقلة السياسة النقدية، والحد من تقاسم المخاطر، وإزالة كل المزايا المرتبطة بامتلاك سوق رأسمالية ضخمة وسائلة ومتكاملة.

الواقع أن نقطة الضعف الحقيقية في منطقة اليورو ليس افتقارها إلى مرونة سعر الصرف، أو سياستها النقدية المشتركة. بل يكمن الضعف في انهيار عملية تقاسم المخاطر عندما تضرب الاقتصاد صدمات ضخمة، واقتران ذلك بغياب السياسة المالية المشتركة. هذا هو الدرس الرئيسي المستمد من السنوات العشرين الماضية.

Ⅶ مديرة البحوث في البنك المركزي الأوروبي، سابقاً، وأستاذة الاقتصاد في كلية لندن لإدارة الأعمال.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات