مسارات التنمية في أمريكا

بات دور القطاعين العام والخاص في تحقيق أنماط شاملة للنمو في الولايات المتحدة الأمريكية، محل تساؤل ملح في الفترة الحالية، بعد أن أثار ارتفاع عمليات إعادة شراء الأسهم في الولايات المتحدة مجادلة عالية المخاطر حول ما يمكن وما ينبغي للشركات فعله حيال الفوائض الناتجة عن تلك العمليات، حيث يطرح هذا الموضوع أسئلة جوهرية.

احتدم النقاش في الآونة الأخيرة عندما كتب النائبان الأمريكيان بيرني ساندرز وتشاك شومر مقالاً يدعو الشركات إلى الاستثمار بشكل أكبر في الموظفين والمجتمع، بدلاً من إعادة شراء الأسهم. ثم أعلنا عزمهما على التقدم بتشريع من شأنه أن يمنع الشركات من إعادة شراء أسهمها الخاصة ما لم تستثمر في العمال أولاً، لنقل مثلاً برفع الحد الأدنى للأجور إلى 15 دولاراً في الساعة أو تقديم إجازات مرضية مدفوعة الأجر.

يساور ساندرز وشومر - وكثيرون غيرهم - القلق إزاء تخصيص الفوائض أو الريوع بالكامل لحاملي الأسهم في الشركات، وهُم عادة من بين أعلى 10٪ من أصحاب الدخول. وفي وقت يتسم بتزايد اتساع فجوة التفاوت وركود الأجور، يبدو استثمار المزيد من المال لصالح الموظفين الأقل دخلاً خياراً أفضل من إغداق المزيد من الثروة على الأثرياء.

لكن بن ستيل وبنيامين ديلا روكا من مجلس العلاقات الخارجية لديهما تحفظات جادة حول منطق حجة ساندرز وشومر، حيث استنتجا أن أسواق رأس المال تعمل بشكل سليم، مستندين في ذلك إلى البيانات التي تشير إلى أن عمليات إعادة الشراء تكون أكبر بين الشركات ذات معدلات العوائد المنخفضة على رؤوس الأموال.

لأن الأموال التي تعود إلى المستثمرين ينتهي بها المطاف في استثمارات ذات عائد أعلى. محتجين بأنه إذا حاولت الحكومة منع عمليات إعادة شراء الأسهم، فمن المرجح أن تستجيب الشركات عن طريق إيداع الأموال في سندات خزانة، وهذا يعني بالتالي إعادة تدوير رأس المال من خلال قناة أدنى.

تظهر ممارسات إعادة تدوير رأس المال من استثمارات ذات عوائد منخفضة إلى أخرى ذات عوائد منخفضة في فترات الإجهاد المالي - على سبيل المثال -، من خلال تقديم القروض المصرفية إلى الشركات المتعثرة، لتجنب خفض القيمة وحل المشكلات المتعلقة بكفاية رأس المال. لكن من المعروف أن لهذه الممارسات آثاراً سلبية خطيرة على الاستثمار الإنتاجي، لأنها تقلل من الدعم الائتماني للمؤسسات السليمة التي لديها إمكانات حقيقية للنمو.

ومع ذلك، فإن هناك قضية أكثر أهمية على المحك هنا. يبدو أن ساندرز وشومر يرغبان في دفع الشركات المتداولة علناً وأسواق رأس المال إلى التحرك بشكل أسرع وأقوى نحو نموذج لحوكمة الشركات يتعدد فيه أصحاب المصالح، بدلاً من النموذج الذي يعتمد على قيمة المساهمين والذي هيمن لفترة طويلة.

الحجج لصالح نموذج أصحاب المصلحة المتعددين كثيرة، والواقع أن بعض الشركات تتجه بالفعل نحو هذا النموذج. لكن استخدام التشريع لفرض هذا التحول قد لا يكون حلاً عملياً أو فعالاً، وبالتأكيد لن يحل مشكلة تفاوت الثروة. ففي النهاية، سيظل أصحاب الأسهم من بين أصحاب المصالح، حتى في عالم يتعدد فيه أصحاب المصالح.

يتطلب تحقيق أنماط شاملة ومستدامة للنمو قيام الشركات والقطاع المالي بمواءمة نماذج أعمالها واستراتيجياتها بشكل أوثق مع الأهداف الاقتصادية والاجتماعية المشتركة على نطاق واسع. ستكون هذه العملية بمثابة تمرين على الإبداع، حيث يجب أن تبدأ بتحديد القيم ومدى وضوح الهدف (كما أوضح لورانس دي فينك، الرئيس التنفيذي لشركة بلاك روك)، ثم المضي قدماً عبر التجربة والابتكار.

كما أن المقاييس المتعددة الأبعاد للتقدم الاقتصادي والاجتماعي، والتي يجري تطويرها بالفعل، ستقطع شوطاً طويلاً تجاه دعم مثل هذا النشاط.

تشير التجارب العالمية بقوة إلى أن هذه العملية تسير بسلاسة أكبر عندما يشارك فيها كل من الشركات، والقطاع المالي، والحكومة، والعمالة، وقطاع التعليم. وبالفعل، من دون إشراك قطاعي الأعمال والتمويل، سيكون من الصعب التغلب على العوائق التي تحول دون تحقيق النمو الشامل والمستدام، إن لم يكن ذلك مستحيلاً.

إن فرض نموذج أصحاب المصلحة المتعددين لحوكمة الشركات، أو أجزاء منه، من خلال التنظيم من شأنه أن يؤدي إلى إفساد مثل هذا التعاون. فهو يشجع العداء بين الحكومة والأعمال التجارية، من خلال توجيه رسالة مفادها أن قطاع الشركات والقطاع المالي يتحملان مسؤولية الاتجاهات السلبية في توزيع الثروة. ومهما كانت المزايا السياسية المترتبة على تشويه سمعة قطاع ما، فإنها تتضاءل أمام مساوئ عرقلة الشراكات الفعالة التي تسهل، على سبيل المثال، رفع مستوى المهارات في بيئات العمل السريعة التغير.

ولمواجهة التحديات المزدوجة، المتمثلة في زيادة تفاوت الثروة والدخل من جهة، والتغير السريع في سوق العمل من جهة أخرى، يجب أن تعمل الحكومة كمنسق للجهود والشراكات التعاونية، حيث يكون المشاركون على استعداد لتقديم مساهمات أكبر إذا كانوا واثقين من توافر العناصر التكميلية.

كما أن دعم الدخل - الذي يمكن أن توفره الحكومة فقط - هو أيضاً أمر ضروري لإتاحة الموارد والوقت والأمن بما يمكن الأفراد والعائلات من الاستثمار في ذواتهم.

عندما يتعلق الأمر بتعديل توزيع الثروة، فإن النظام الضريبي هو الأنسب لهذه المهمة، على افتراض التوصل إلى إجماع على استخدامه بهذه الطريقة.

الواقع أن بعض أشكال نموذج أصحاب المصلحة المتعددين التي يستعان بها في حوكمة الشركات، قد تعزز من نفوذ العمالة وتساعد في تعديل توزيع الدخل على المدى الطويل. ولكن لكي يكون فعّالاً، يجب تنفيذ هذا النموذج في إطار عملية تعلم اختيارية وتعاونية وتكيفية. ومن شأن الإدارة التفصيلية لهذه العملية أن تخلق نقاطاً من الجمود في بيئة يجب أن تتسم بالديناميكية الشديدة.

الخبر السار هو أن الأفراد والمنظمات في كل قطاع - بما في ذلك الحكومات ــ يشاركون في جهود تعاونية. وهناك تجارب مفيدة في عدد من الديمقراطيات المتقدمة. هذه «التحالفات بين الراغبين» تعمل على حل المشكلات العملية وإعادة بناء الشعور بالترابط الاجتماعي. لكن الطريق أمامنا لا يزال طويلاً، ولن يتحقق ذلك إلا من خلال الاستمرار في ترسيخ التعاون، بدلاً من العداء السياسي.

 حائز جائزة نوبل في الاقتصاد، وهو أستاذ الاقتصاد في كلية شتيرن لإدارة الأعمال في جامعة نيويورك، وكبير زملاء في معهد هوفر.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات