السياسات الاقتصادية الغربية وإهمال المناخ

صورة

برزت قبل ثلاث سنوات علامة بارزة تمثل ظاهرة عالمية مستقبلية وشيكة، وتتمثل في واقع وحالة «لاجئو المناخ»، فمع ارتفاع مستويات سطح البحر بشكل سريع لتغرق بلدة جزيرة دي جان شارلز الصغيرة في ولاية لويزيانا بالولايات المتحدة الأمريكية، اضطر أفراد قبيلة بيلوكسي-تشيماشا-شوكتاو، والذين كانوا يعتبرون تلك الجزيرة موطناً لهم إلى مغادرتها. وفي السنوات القادمة فإن مئات المجتمعات في طول الولايات المتحدة الأمريكية وعرضها ستلقى المصير نفسه وحتى لو توقفت انبعاثات الغاز الدفيئة فوراً.

على الرغم من إجماع العلماء على الأسباب والعواقب الوخيمة للاحتباس الحراري، فإن الكثير من صناع السياسات مستمرون في تجاهل التحذيرات المتعلقة بالأزمة المناخية التي على وشك الحدوث.. والسبب كما يجادل نشطاء المناخ بشكل متزايد هو الرأسمالية أو بشكل اكثر تحديداً الأيديولوجية الليبرالية الجديدة، والتي هيمنت على صنع السياسات الاقتصادية بالغرب لمدة 40 سنة على اقل تقدير.

وبينما تحتدم المناقشات المتعلقة بصفقة بيئية جديدة فإن من المهم جدا بالنسبة للعامة أن يدركوا الدور الذي لعبته الليبرالية الجديدة في تعطيل السياسات المتعلقة بالحد من الانبعاثات والتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري وتبني تقنيات تتعلق بالطاقة المتجددة.

لقد حذر خبراء المناخ مراراً وتكراراً من أن «الوضع القائم والعمل كالمعتاد» لن يجنبنا التغير المناخي ولكن بينما هذا الكلام صحيح فإن العبارة نفسها تتناقض مع هوس الليبراليين الجدد في تشكيل العمل والنشاط التجاري، وكأن المواطنين هم فقط متفرجون على قوى اقتصادية اكبر وهي تقوم بتشكيل ذلك النشاط. إن الجميع لديهم دور فاعل في تشكيل الاقتصاد، ولكن من اجل عمل ذلك يجب علينا الخلاص من القيود التي وضعها التفكير الليبرالي الجديد على مخيلة الناس.

لقد كانت وجهة النظر السائدة في العاصمة الأمريكية واشنطن منذ سنة 1980، بأنه على الحكومة أن تلعب دوراً محدوداً في الاقتصاد. وطبقاً للعبارة الشهيرة لعضو مجموعة الضغط المعادي لفرض الضرائب جروفر نوركويست «أنا لا أريد أن ألغي الحكومة ولكني أريد ببساطة أن أقلصها لتصل إلى الحجم الذي يمكنني من سحبها إلى الحمام وإغراقها في حوض الاستحمام».

إن السياسات التي جاءت نتيجة لتلك العقلية – عدم تمويل الاستثمارات العامة أو خفضها وإزالة الأحكام والقواعد التي تنظم الاقتصاد والديمقراطية اللامركزية- قد منعت الولايات المتحدة الأمريكية من تقليل اعتمادها على الوقود الأحفوري فلقد رفض صناع السياسات من كلا الحزبين الحث أو حتى التأييد الضمني للإستثمارات العامة في مصادر طاقة بديلة وبيئة تحتية خالية من الكربون.

إن الاعتقاد بأن الحكومة فقط هي التي تعيق الدينامية الاقتصادية يعتبر تحولاً كبيراً عن وجهة النظر العالمية الكينزية والتي هيمنت على عملية صنع السياسات من الأربعينات وحتى الستينات من القرن الماضي. إن السياسات التي تقوم على أساس الاعتقاد بأن الإنفاق الحكومي على المنافع العامة يكمل القطاع الخاص بدلاً من إخراجه من المنافسة ساعدت الولايات المتحدة الأمريكية في تحقيق نمو غير مسبوق في مرحلة ما بعد الحرب.

إن التدخلات الحكومية طبقاً للنظام الاقتصادي الكينيزي تعتبر ضرورية من أجل حل مشاكل التنسيق وهذا بالضبط ما ينطبق على التغير المناخي ولكن للأسف فإن الانتعاش القصير للتفكير الكينيزي بعد الأزمة المالية لسنة 2008 تم خنقه بسرعة بسبب سياسات التقشف في الغرب مما أحبط الجهود من اجل خفض انبعاثات غاز الدفيئة، وذلك من خلال الاستثمارات العامة.

إن الركن الثاني من الليبرالية الجديدة وهو إزالة الأحكام والقواعد المنظمة قد ساهم كذلك في التغير المناخي فعندما نسعى للتراجع عن معايير كفاءة الطاقة والأحكام المنظمة لاستخراج الوقود الأحفوري، فإن السياسيين يعشقون القول إنهم فقط «يتخلصون من البيروقراطية» ولكن في كثير من الأحيان فإن هؤلاء السياسيين انفسهم كانوا يتمتعون بعطايا الصناعة الهيدروكربونية.

للأسف وبينما زادت أزمة المناخ،زادت كذلك الضغوطات من اجل إزالة القواعد والأحكام التي تنظم الوقود الأحفوري فعلى سبيل المثال في يناير نشرت مجموعة كبيرة من الاقتصاديين البارزين رسالة مفتوحة تدعو فيها إلى ضريبة كربون متواضعة من أجل استبدال «القواعد والأحكام المرهقة»، علماً أن تلك القواعد والأحكام نفسها قد أدت إلى تخفيضات كبيرة في انبعاثات غاز الدفيئة في ولايات مثل كالفورنيا. إن القواعد والأحكام مسؤولة بشكل عام عن الانخفاض في الانبعاثات، والذي تم تحقيقه على المستوى الفيدرالي وذلك من خلال برامج مثل معايير ملف الطاقة المتجددة ومعايير معدل استخدام الوقود بشكل اقتصادي لقطاع الشركات.

لو أرادت الولايات المتحدة الأمريكية أن يكون لها فرصة للنجاح في تخفيض الانبعاثات طبقاً لتوصية لجنة الحكومات الخاصة بالتغير المناخي، فإنه يتوجب عليها أن تعتبر الأحكام والقواعد البيئية المناسبة كتكملة لاستثمارات عامة على نطاق واسع ولتسعير الكربون وليس بديلاً عنها.

إن الطريقة الثالثة التي استخدمتها الليبرالية الجديدة في تقويض التعامل مع قضية المناخ هو نقل القرارات من المستوى الفيدرالي إلى مستوى الولايات والمستوى المحلي، وبينما السيطرة المحلية مفيدة في بعض مجالات السياسات، إلا أنها فاقمت من مأساة العامة فيما يتعلق بالتغير المناخي. وفي الوقت الذي تعتبر الليبرالية الجديدة أن تسعير الكربون هو الحل للتغير المناخي فهي ترفض المركزية اللازمة، وذلك من اجل إنجاح تلك السياسة.

في واقع الأمر فإن إمكانية أن تطبق جميع الولايات الأمريكية تسعيرة للكربون هي إمكانية شبه معدومة فصناعة الوقود الأحفوري وجماعات الضغط التي تعمل لصالحها قد عملت طويلاً على تحريض الولايات الأمريكية – بالإضافة إلى نقابات العمال – ضد بعضها البعض من خلال الوعد بخلق فرص عمل محلية في استخراج الوقود الأحفوري. لقد شنت صناعة الوقود الأحفوري كذلك حملات عدائية ضد مبادرات الاقتراع البيئية على مستوى الولاية وعلى المستوى المحلي وهي مستويات تستطيع بسهولة من خلالها الإنفاق بشكل اكبر من الجهات المنافسة.

طالما بقي صناع السياسات مقيدون بالايديولوجية الليبرالية الجديدة، فإنه لن يحصل أي تقدم ذو معنى تجاه التعامل مع التغير المناخي ولقد ظهر ذلك جلياً في المواجهة المسجلة بين عضوة مجلس الشيوخ الأمريكي دايان فاينشتاين ومجموعة من نشطاء المناخ الشباب حيث تبنت دايان أسلوباً متعالياً وعدائياً ولكن لحسن الحظ فإن الدعم الكبير على المستوى الشعبي «للصفقة البيئية الجديدة» يظهر أن الناخبين لا يؤيدون هذه الأيديولوجية.

لكن من اجل تحقيق هدف الصفقة الجديدة الخضراء وهو صافي تعادل الأثر الكربوني خلال عشر سنوات فإن هذا لا يتطلب وضع سياسة لسعر الكربون والعائد فحسب، ولكن أيضا استثمارات عامة واسعة النطاق والأحكام والقواعد المكملة، ومعاً فإن تلك الاجراءات يمكن أن تحشد القدرات الإنتاجية الكامنة في أمريكا بطرق لم تشهدها البلاد منذ الحرب العالمية الثانية وبدونها فإن الجهود العالمية للتعامل مع التغير المناخي لن تحظى بأي فرصة للنجاح.

* أستاذ مساعد للاقتصاد في جامعة ولاية كولورادو .

*أستاذ مساعد للاقتصاد في كلية فلوريدا الجديدة وزميل في معهد روزفلت.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات