الوظائف الجيدة وتحديات التكنولوجيا والعولمة

صورة

في مختلف أنحاء العالَم اليوم، يتمثل التحدي الرئيسي في ما يتصل بتحقيق الرخاء الاقتصادي الشامل في خلق العدد الكافي من «الوظائف الجيدة».

فمن دون توفير وظيفة منتجة يمكن التعويل عليها للغالبية العظمى من القوة العاملة في أي بلد، إما أن يظل النمو الاقتصادي بعيد المنال أو تنتهي الحال بالفوائد المترتبة عليه إلى التركز بين أقلية ضئيلة.

كما تعمل ندرة الوظائف الجيدة على تقويض الثقة في النخب السياسية، مما يضيف الوقود إلى ردة الفعل السلبية الاستبدادية المعادية للأجانب التي تؤثر على العديد من الدول اليوم.

من الواضح أن تعريف الوظيفة الجيدة يعتمد على مستوى التنمية الاقتصادية في أي بلد. فهو عادة وضع مستقر للقطاع الرسمي يأتي مع تدابير حماية العمل الأساسية مثل ظروف العمل الآمنة، وحقوق المساومة الجماعية، والضوابط التنظيمية ضد الفصل التعسفي.

وتكفي الوظيفة الجيدة لتوفير أسلوب حياة الطبقة المتوسطة على الأقل، وفقاً لمعايير كل بلد، مع ما يكفي من الدخل للسكن والطعام والانتقالات والتعليم، وغير ذلك من النفقات الأسرية، فضلاً عن بعض الادخار.

وبوسع الشركات الفردية في مختلف أنحاء العالَم أن تقدم الكثير لتحسين ظروف العمل. الواقع أن الشركات الكبيرة التي تعامل موظفيها بشكل أفضل ــ من خلال تزويدهم بأجور أعلى، والمزيد من الاستقلال، وقدر أكبر من المسؤولية ــ تجني غالباً الفوائد في هيئة دوران أقل للتوظيف، ومعنويات أفضل للعاملين، وإنتاجية أعلى.

وكما زعمت لفترة طويلة زينب تون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا فإن استراتيجيات «الوظائف الجيدة» من الممكن أن تكون مربحة للشركات بقدر ما هي مربحة للعاملين.

لكن المشكلة الأكثر عمقاً بنيوياً، وهي تتجاوز ما قد تتمكن الشركات من القيام به بمفردها. فاليوم، تعاني الدول المتقدمة والنامية على حد سواء من قدر متزايد من عدم التوافق بين بنية الإنتاج وبنية قوة العمل.

فقد أصبح الإنتاج معتمداً على المهارات على نحو متزايد، في حين لا يزال القسم الأعظم من قوة العمل منخفض المهارات. ويعمل هذا على توليد فجوة بين أنواع الوظائف التي يجري إنشاؤها وأنواع العمال في أي بلد.

وقد اشتركت التكنولوجيا مع العولمة في توسيع هذه الفجوة، حيث تهيمن الأتمتة (التشغيل الآلي) والتحول الرقمي على التصنيع والخدمات بشكل متزايد. ورغم أن التكنولوجيات الجديدة كان من الممكن أن تعود بالفائدة على العمال من ذوي المهارات المتدنية من حيث المبدأ، فإن التقدم التكنولوجي كان في الممارسة العملية سبباً لإزاحة العمالة إلى حد كبير.

بالإضافة إلى هذا، عملت تدفقات التجارة والاستثمار العالمية، وسلاسل القيمة العالمية بوجه خاص، على مجانسة أساليب الإنتاج في مختلف أنحاء العالَم، الأمر الذي يجعل من الصعب للغاية على البلدان الأكثر فقراً أن تنافس في الأسواق العالمية دون أن تتبنى أساليب تعتمد بكثافة على المهارات ورأس المال على نحو أشبه بالأساليب المعمول بها في الاقتصادات المتقدمة.

والنتيجة هي اشتداد حدة الازدواجية الاقتصادية. فكل اقتصاد في العالَم اليوم ينقسم بين شريحة متقدمة، وهي الشريحة المندمجة عالمياً عادة، والتي توظف أقلية من قوة العمل، وشريحة منخفضة الإنتاجية تستوعب القسم الأعظم من قوة العمل، وغالباً بأجور متدنية وفي ظل ظروف رديئة.

وربما تتفاوت حصص الشريحتين: فمن الواضح أن الدول المتقدمة تمتلك أكثرية عظيمة من الشركات العالية الإنتاجية. ولكن من الناحية النوعية تبدو الصورة متشابهة إلى حد كبير في الدول الغنية والفقيرة ــ وهي تنتج ذات الأنماط من التفاوت، والاستبعاد، والاستقطاب السياسي.

منطقياً، هناك ثلاث طرق فقط للحد من عدم التوافق بين بنية القطاعات الإنتاجية وبنية قوة العمل. وتتلخص الاستراتيجية الأولى، والتي تتلقى القسم الأكبر من الاهتمام السياسي، في الاستثمار في المهارات والتدريب. فإذا اكتسب أغلب العمال المهارات والقدرات اللازمة للتكنولوجيات المتقدمة، تتلاشى الازدواجية في نهاية المطاف مع توسع القطاعات العالية الإنتاجية على حساب بقية القطاعات.

ومثل هذه السياسات في التعامل مع رأس المال البشري مهمة بطبيعة الحال، ولكن حتى عندما تحقق النجاح، فإن تأثيراتها لن تكون ملموسة إلا في المستقبل. ولا يفيد هذا كثيراً في معالجة الحقائق في أسواق العمل في الوقت الحاضر. فمن غير الممكن ببساطة تحويل قوة العمل بين عشية وضحاها.

وتتمثل استراتيجية ثانية في إقناع الشركات الناجحة بتوظيف عدد أكبر من العمال غير المهرة.

الواقع أن مثل هذه السياسات من غير المحتمل أن تحدث فارقاً كبيراً في البلدان النامية. ذلك أن العقبة الرئيسية التي تواجهها ستظل أن التكنولوجيات القائمة لا تسمح بالحيز الكافي لاستبدال العامل: استخدام عمالة أقل مهارة بدلاً من المحترفين المهرة أو رأس المال المادي.

الواقع أن تلبية معايير الجودة الصارمة اللازمة لإمداد سلاسل القيمة العالمية أمر من غير الممكن أن يتأتى بسهول من خلال الاستعاضة عن الآلات بالعمل اليدوي. ولهذا السبب يعتمد الإنتاج المتكامل عالميا، حتى في الدول التي تنعم بوفرة من العمالة على أساليب كثيفة الاعتماد على رأس المال نسبياً.

ويترك هذا مجموعة واسعة من الاقتصادات النامية ــ من الدول المتوسطة الدخل مثل المكسيك وجنوب أفريقيا إلى الدول المنخفضة الدخل مثل إثيوبيا ــ أمام معضلة. إن المعالجة القياسية لتحسين أداء المؤسسات التعليمية لا يحقق فوائد ملموسة في الأمد القريب، في حين تعجز القطاعات الاقتصادية الأكثر تطوراً عن استيعاب المدد الفائض من العمال من ذوي المهارات المتدنية.

قد يتطلب حل هذه المشكلة الاستعانة باستراتيجية ثالثة، والتي ربما تحظى بأقل قدر من الاهتمام: تعزيز نطاق وسيط من الأنشطة الاقتصادية الكثيفة العمالة والتي تعتمد على العمال من ذوي المهارات المتدنية. وتُعَد السياحة والزراعة غير التقليدية من الأمثلة الأساسية لمثل هذه القطاعات التي تستوعب العمالة.

كما يشكل التوظيف العام (في قطاعات البناء وتسليم الخدمات)، الذي استهزأ به خبراء التنمية لفترة طويلة، منطقة أخرى ربما تتطلب الاهتمام. لكن الجهود الحكومية قد تقطع شوطاً أبعد كثيراً.

لن تكون مثل هذه الأنشطة، الخدمات غير القابلة للتداول في الأساس، والتي يجري تنفيذها بواسطة شركات صغيرة ومتوسطة الحجم، بين الأنشطة الأكثر إنتاجية، وهي لهذا السبب نادراً ما تكون موضع تركيز السياسات الصناعية أو الإبداعية. لكنها ربما توفر رغم ذلك وظائف أفضل من البدائل في القطاع غير الرسمي.

الواقع أن السياسة الحكومية في الدول المتقدمة والنامية على حد سواء تنشغل غالباً بتعزيز التكنولوجيات الأكثر تقدماً وتشجيع الشركات الأكثر إنتاجية. لكن الفشل في توليد وظائف جيدة لأفراد الطبقة المتوسطة ينطوي على تكاليف اجتماعية وسياسية باهظة. ويتطلب الحد من هذه التكاليف تركيزاً مختلفاً موجهاً على وجه التحديد نحو ذلك النوع من الوظائف المتوافقة مع بنية المهارات السائدة في الاقتصاد.

داني رودريك  - أستاذ الاقتصاد السياسي الدولي في كلية كينيدي في جامعة هارفارد. ومؤلف كتاب «حديث صريح حول التجارة: أفكار من أجل اقتصاد عالمي عاقل».

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات