3 دروس مستقاة من ترنح الاستقرار المالي في أوروبا

صورة

مع إنهاء البنك المركزي الأوروبي مؤخراً، برنامج التيسير الكمي، بات الوقت ملائماً للنظر في تأثير هذه السياسة. وهنا تتجلى بوضوح استنتاجات ثلاثة: أولها أن عمليات شراء الأصول التي نفذها البنك المركزي الأوروبي، كانت لها فوائد مهمة للاقتصاد الكلي، وثانيها أن التكاليف السياسية للتيسير الكمي، كانت أكبر بكثير من توقعات الجميع، وثالثها أن الأمر برمته كان سيئاً للغاية بالنسبة للبنك المركزي الألماني.

شجع البنك المركزي الأوروبي، الإقراض للشركات الصغيرة والأسر عبر منطقة اليورو، بتقليل تكلفة القروض المصرفية، من خلال برنامج التيسير الكمي، ما أعطى دفعة مهمة للنمو الاقتصادي، وأدى إلى انخفاضات كبيرة في البطالة، فضلاً عن ضغوط تصاعدية على تكاليف الأجور. ورغم ارتفاع معدل التضخم الكلي المعلن، يظل المعدل الأساسي للتضخم ضعيفاً، ما يعني حتمية إبقاء البنك المركزي الأوروبي على سياسة نقدية توسعية.

علاوة على ذلك، أثبت تطبيق التيسير الكمي في أوروبا وغيرها، خلال العقد الماضي، بطلان عدد من المزاعم المتعلقة بعمليات شراء أصول البنوك المركزية، وعلى رأسها الادعاء المتكرر كثيراً، بأن عمليات الشراء واسعة النطاق للسندات الحكومية من قبل البنوك المركزية، تفضي دائماً إلى ارتفاع البطالة.

ذلك أن الأزمات المالية تؤدي إلى ارتفاع في الطلب على السيولة، نظراً لقلق المؤسسات المالية من قدرة اللاعبين الآخرين على الوفاء بالدين. لكني أقول إنه بوسع البنوك المركزية ــ بل ينبغي لها ــ أن تلبي هذا الطلب، بتوسيع ميزانياتها العمومية، لأن عدم القيام بذلك، قد يفضي إلى انهيار المخزون النقدي وركود عميق، كما حدث مع مجلس الاحتياطي الفدرالي الأمريكي خلال ثلاثينيات القرن الماضي.

يصر بعض المراقبين على أن عمليات شراء الأصول هذه ليست غير قانونية. فإذا كان لا يحق للبنك المركزي الأوروبي، شأنه شأن مجلس الاحتياطي الفدرالي الأمريكي وبنك اليابان، شراء سندات حكومية في الأسواق الأساسية، فلطالما اعتمدت بنوك مركزية كثيرة، على عمليات شراء السندات في الأسواق الثانوية، كوسيلة رئيسة لتسيير السياسة النقدية.

وقد قضت محكمة العدل الأوروبية في ديسمبر الماضي، بعدم مخالفة مثل عمليات الشراء هذه لقانون الاتحاد الأوروبي.

كما فندت محكمة العدل الأوروبية، فكرة انتشرت في ألمانيا على الأخص، مفادها أن التيسير الكمي سياسة مالية أكثر منها نقدية، وبالتالي، لا دخل للبنك المركزي الأوروبي بها.

غير أن معاهدة ماسترخت لا تضع تعريفاً للسياسة النقدية، التي تحددها في ما يبدو الممارسات الفعلية للبنوك المركزية. وهنا، نجد أن مجلس الاحتياطي الفدرالي وبنك اليابان، وكثيراً من البنوك المركزية الأخرى، باشرت عمليات بيع للأصول على نحو يشبه طريقة البنك المركزي الأوروبي.

لكن رغم فعالية سياسة التيسير الكمي وقانونيتها غير المشكوك بها، فقد أثارت سياسات البنك المركزي الأوروبي، غضباً سياسياً، بتسببها في زيادة سعر كل الأصول تقريباً. وقد يبدو هذا الغضب للوهلة الأولى، متعارضاً مع البديهة، إذ يؤدي ارتفاع أسعار الوحدات السكنية، إلى زيادة النشاط في مجال البناء، ما يزيد فرص العمل المتاحة.

كما يسهم ارتفاع أسعار الأسهم، في تعزيز الاقتصاد، من خلال دعم الميزانيات العمومية، وثقة الشركات والأسر والمؤسسات المالية. كذلك يسهم انخفاض عوائد السندات ــ كنتيجة طبيعية لازمة لارتفاع أسعار السندات ــ في جعل التمويل أقل كلفة وأكثر توافراً للشركات والأسر على السواء.

لكن الطفرة المذهلة في أسعار الأصول، أدت أيضاً إلى زيادات في الثروة للقلة الأكثر ثراء، ما أشعل غضب كثير من الأوروبيين، الذين ظلوا يعانون حتى الآن البطالة والتقشف المؤلم بعد الأزمة المالية. كما أثار هبوط أسعار الفائدة، احتجاجات واسعة النطاق من قبل المدخرين، خاصة في ألمانيا، الأمر الذي يمثل لغزاً محيراً، لأنه من المفترض أن يسعد المدخرون بارتفاع أسعار الأصول.

غير أن بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، توضح أن مدخرات الألمان من ثرواتهم في الأسهم، أقل كثيراً، وفي منتجات التأمين على الحياة أعلى كثيراً من أقرانهم في الدول الأوروبية الأخرى، وبالتالي، لم يصيبوا حظاً من ازدهار أسواق الأوراق المالية، بينما تأذت خططهم للتأمين على الحياة، بالظروف المصاحبة لانخفاض أسعار الفائدة.

لذا، يلقي المدخرون الألمان باللائمة على البنك المركزي الأوروبي، في الصعوبات التي يواجهونها، لكن يبدو أن مصدر المشكلة يكمن في ميزانياتهم العمومية الغريبة.

وقد جاء أفضل تلخيص لحالة الغضب السياسي من هذه السياسة، على لسان وزير المالية الألماني السابق، فولفغانغ شويبله، في معرض حديثه عن حزب البديل من أجل ألمانيا عام 2016، عندما خاطب حضوراً في إحدى المناسبات قائلاً: «لقد قلت لماريو دراجي رئيس البنك المركزي الأوروبي: يحق لك أن تفخر، إذ يمكنك أن تعزو 50 % من نتائج حزب يبدو جديداً وناجحاً في ألمانيا إلى تصميم هذه السياسية».

ورغم جدوى سياسية التيسير الكمي اقتصادياً، والاستياء منها سياسياً، كانت المسألة برمتها سيئة للغاية بالنسبة للبنك المركزي الألماني. فكثيراً ما أصر كبار مسؤوليه في أحاديثهم ومقابلاتهم، على عدم الحاجة إلى التيسير الكمي، وأنه يثير مخاطر تضخمية واضحة، حتى برغم معاينتهم معدل التضخم، وهو يقل عاماً بعد عام عن المستهدف من قبل البنك المركزي الأوروبي.

كما احتج مسؤولو البنك المركزي الألماني، بأن انخفاض سعر الفائدة، من شأنه أن يؤدي إلى زعزعة الاستقرار المالي، رغم عدم حدوث ذلك إلى الآن (ورغم احتمالية أن تشكل سياسة التشديد النقدي مخاطرة مشابهة). كما شككوا في قانونية بعض إجراءات البنك المركزي الأوروبي، رغم عدم قبول أي من الطعون القانونية.

إن البنك المركزي الألماني، بتمسكه بآرائه المتشددة، رغم إخفاقه في إقناع مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي، بتغيير مسار التيسير الكمي، وضع نفسه في مأزق صعب، وفقد نفوذه، وخسر مكانته.

ولهذا السبب، لا يُنظر إلى رئيس البنك، ينس فايدمان، على أنه المرشح الأبرز لخلافة دراجي في رئاسة البنك المركزي الأوروبي، رغم ما يتميز به من فهم متمكن لعلم الاقتصاد، وخبرة عالية المستوى، ومهارات اتصال ممتازة. ويبدو أن البنك المركزي الألماني، كان الخاسر الأكبر من تطبيق التيسير الكمي.

شتيفن جيرلاخ  - كبير الاقتصاديين في بنك إي إف جي في زيورخ، نائب سابق لمحافظ البنك المركزي الإيرلندي، كما عمل مديراً تنفيذياً وكبيراً للاقتصاديين في هيئة النقد في هونغ كونغ، وأميناً للجنة المعنية بالنظام المالي العالمي في بنك التسويات الدولية.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات