الطبيعة ومشروعات البنية التحتية

صورة

أعلن العلماء، في سومطرة في إندونيسيا عن شيء مثير، قبل مدة لا بأس بها، لقد اكتشفوا فصيلة أخرى من إنسان الغاب، ليصل بذلك عدد فصائل القردة العليا في العالم إلى سبعة.

لكن بعد مرور عام على هذا الاكتشاف، تم إخلاء المكان الوحيد الذي كان يؤوي قردة التابانولي البالغ عددها 800، من أجل بناء خزان مياه السدود ومحطة لتوليد الطاقة الكهرومائية بقيمة 1,6 مليار دولار.

وهكذا فإنه تهدد الكثير من المشروعات الخاصة بالبنية التحتية في عالمنا، كما يقول العلماء، بانقراض الأصناف النادرة من الكائنات. وهذا يطرح من جديد، سؤالاً جوهرياً: ما هي قيمة الطبيعة؟

وسيشهد القرن الواحد والعشرون انتشاراً غير مسبوق للبنية التحتية، وما يثير الذهول هو أن مبلغاً بقيمة 90 تريليون دولار سينفق في السنوات الـ15 المقبلة من أجل بناء أو تغيير خزانات مياه السدود ومحطات توليد الطاقة، وغيرها من مشاريع البناء. وفي واقع الأمر، سيتم إنشاء المزيد من البنيات التحتية خلال السنوات الـ15 المقبلة لتتجاوز تلك المتوفرة حالياً. ومن الطبيعي أن تتضرر المواطن الطبيعية أثناء عمليات البناء.

ورغم ذلك، فالنمو الذي يستهتر بالبيئة ليس مُقدراً؛ ويمكن القيام بخيارات ذكية، ومستدامة. ولتحقيق ذلك، ينبغي علينا أن ندرك القيمة الحقيقية للطبيعة، وأن نجعل من الالتزامات البيئية وتحليل التكلفة والعائد جزءاً من كل مشروع.

وحالياً، لا يحدث هذا؛ إذ توضع معظم المشاريع وتنجز بناء على تقييم السوق الذي لا يأخذ البيئة بعين الاعتبار. والنتيجة هي أن العالم سيواجه أزمة نمو متزايدة، أي، تراجع خدمات النظام الإيكولوجي - مثل المياه النظيفة، والوقاية من الفيضانات، وتأبير النحل - التي تحافظ على التنوع البيولوجي، وتشكل الأساس الذي يعتمد عليه رفاه الإنسان.

ولتغيير الوضع الراهن، علينا ألا نعرض «رأس المال الطبيعي» المَواطن الطبيعية الحساسة للأخطار المُدَمرة، بِغضِّ النظر عن التأثير الاقتصادي لهذه الخيارات الأخلاقية. وتماماً كما تصدى معظم العالم للعبودية في العمل وتشغيل الأطفال، ينبغي أيضاً التصدي للتدمير المستمر للطبيعة.

وقد أدرك بعض الخبراء الاقتصاديون هذا الأمر من خلال ذكر بعض الأضرار البيئية خلال مناقشاتهم؛ وذكروا على سبيل المثال غابة الأمازون. فهناك، أدت عملية قطع الأشجار إلى تقليص إنتاج سُحب البخار التي تعتبر ضرورية لنقل المطر عبر جنوب أميركا.

ويعتقد أن الجفاف الذي جفف ساو باولو في الفترة ما بين 2014 و2017 رَاجِع، على الأقل إلى حد ما، إلى غياب «الأنهار الهوائية». وكما قال عالم المناخ البرازيلي أنطونيو نوبر، إذا توقفت مضخات المياه الهوائية بصفة نهائية، ستتحول مساحة تُشكل 70% من الناتج المحلي الإجمالي لأميركا الجنوبية إلى صحراء.

وبالطبع، تحديد رأس المال الطبيعي الضروري يشكل تحدياً، خاصة على نطاق ضيق. فبينما يتفق العديد على أهمية الحفاظ على الأمازون، يصعب إظهار قيمة الحفاظ على إنسان الغاب في إندونيسيا. ولكن، مع مرور الوقت، سيُغير فقدان المَواطن الطبيعية لقردة التابانولي، مكونات الغابة بشكل جذري، وسيعرقل خدماتها الإيكولوجية. وفي نفس الوقت، القضاء على فصائل القردة العليا - أقرب المخلوقات إلينا - سيضيع منا فرصة فهم تطورنا وجيناتنا بشكل أفضل.

وفي العالم المتقدم، يفضل بعض الحكومات والشركات الخيار الأخلاقي عن طريق تطبيق «المبدأ الوقائي» على النمو. وينص المبدأ الذي اعتمد عام 1992 كجزء من إعلان ريو بشأن البيئة والتنمية، على أن تفادي التدهور البيئي أولاً، أكثر حكمة وأقل تكلفة.

ويكمن التحدي الحقيقي في ترسيخ هذه الروح في الاقتصادات النامية، حيث سيُنفق في المستقبل الجزء الأكبر من الميزانية على البنيات التحتية. ومع حلول عام 2050، سيكون هناك 15.5 مليون ميل من الطرق المعبدة الجديدة، وهو ما يكفي للدوران حول الكرة الأرضية أكثر من 600 مرة.

وسيتم إنشاء أكثر من 90% من هذه الطرق المعبدة في الدول النامية التي تواجه ضغطاً بيئياً كبيراً. وفي منطقة الأمازون، مثلاً، هناك ما يقارب من 53000 عقود استخراج المعادن، وهو ما يشكل 21% من مجموع مساحة الحوض.

وفي غينيا، تقول تقارير إن خزان مياه يدعمه البنك الدولي يهدد مأوى رئيسياُ للشمبانزي. وفي تنزانيا، وافقت الحكومة على إنشاء خزان مياه ومحطة توليد الطاقة الكهرومائية في محمية سيلوس غيم، التي صنفتها اليونسكو كموقع تراث عالمي.

ومع تزايد حاجيات الإنسان إثر تزايد عدد السكان وارتفاع الأجور، هناك أسباب مشروعة لبناء المزيد من البنيات التحتية. لكن في حال استمرار التوجهات الحالية، ستستنزف المصالح القصيرة الأمد الممتلكات الطبيعية التي تعتمد عليها حياة الإنسان في جميع مراحلها. ومن أجل التخطيط لنمو ذكي، ينبغي إدراك دور الطبيعة في تعزيز الأنشطة الاقتصادية وضمان الصحة البشرية والبيئية. ففي نهاية المطاف، لا ولن نستطيع العيش في عالم ليس للطبيعة فيها أي قيمة.

ماكسويل غوميرا - زميل لدى أسبين نيو فويسز لعام 2018، ومدير شعبة خدمات التنوع البيولوجي والنظام الإيكولوجي في برنامج الأمم المتحدة للبيئة.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات