القضايا الاجتماعية وتحديات تغيّر المناخ

يحذر علماء المناخ حالياً من أن آثار ظاهرة الاحتباس الحراري العالمية قد تكون أكثر خطورة مما كنا نظن في السابق، لكن العالم لا يعير أي اهتمام لهذه الكارثة.

في أكتوبر حذر فريق الأمم المتحدة الحكومي الدولي المعنيّ بتغير المناخ من المخاطر الكارثية على صحة الإنسان وسبل العيش وإمدادات المياه والأمن البشري إذا لم يتم الحد من ارتفاع متوسط درجات حرارة الأرض لأقل من درجتين مئويتين مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، وهو هدف تم تحديده في اتفاقية باريس بشأن المناخ عام 2015. لكن للأسف، قد نكون في الواقع في طريقنا إلى زيادة أكبر في درجات الحرارة العالمية لتصل إلى 3 درجات مئوية.

وفي نوفمبر توقع التقييم الوطني الرابع للمناخ في الولايات المتحدة أنه دون إجراءات سريعة للحد من انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري، سيعاني الاقتصاد الأميركي من «أضرار جسيمة». لكن إدارة الرئيس دونالد ترامب تبدو غير مهتمة تماماً.

كيف يعقل أنه لم يقدم أحد على وقف خطر تهديد التغيرات المناخية البطيء حتى الآن؟

يمكن أن تساعد إحصاءات العلوم الاجتماعية في الإجابة عن هذا السؤال. في تقرير حديث مع كتاب مصاحب، قام الفريق الدولي المعني بالتقدم الاجتماعي (IPSP)، حيث نعمل كأعضاء في اللجنة، بتحليل العدالة الاجتماعية والمساواة عبر عدد من القطاعات. تبين أحد الاستنتاجات أن الطريقة الوحيدة لمعالجة التهديد الذي يشكله تغير المناخ هي من خلال معالجة التحديات الاجتماعية والسياسية في آن واحد.

يمكن أن يؤدي تجاهل القضايا الاجتماعية إلى حدوث اضطرابات سياسية، والتي ستقوض الإرادة السياسية لمكافحة تغير المناخ. على سبيل المثال، على الرغم من الاتفاق على قواعد تنفيذ اتفاقية عالمية تاريخية بشأن المناخ الذي تم التوصل إليه في 15 ديسمبر في بولندا، إلا أنها ليست طموحة بما يكفي لتحقيق أهداف اتفاقية باريس، وذلك بسبب الاضطرابات السياسية في العديد من البلدان.

تؤكد هذه التطورات شكوك العلماء السابقة: من المتوقع أن تفشل الجهود التي تقوم على التكنوقراطية والتي تركز على البيئة من أجل العمل المناخي. ومع ذلك، يقدم عمل الفريق الدولي المعني بالتقدم الاجتماعي الأخير آراء حول كيفية تحقيق التقدم الاجتماعي والاستدامة البيئية بشكل متزامن.

من الناحية الاجتماعية والاقتصادية، يمكن الحد من عدم المساواة من خلال سياسات تتجاوز التدخلات القياسية، مثل إعادة توزيع الثروة. كما يمكن تمكين الناس من خلال التدريب على المهارات والرعاية الصحية الأفضل، وكذلك مع حقوق المساومة والتنظيم المناسب لعقود العمل.

إن معالجة القلق حول مستقبل العمل مسألة ضرورية. على الرغم من عدم وجود دليل مقنع على أن التشغيل الآلي سيؤدي إلى انتشار البطالة، إلا أن إعادة توزيع الوظائف ليس خياراً صائباً. وستساعد سياسات «الأمن الوظيفي المرن» الطموحة على ضمان أمن العمال على المدى الطويل. مع ضغط الأجور (إغلاق فجوة الأجور بين الوظائف والصناعات)، وإعادة توزيع الأصول، والرفاه العالمي، سنتمكن من تسريع الابتكار، وتمكين العمال، وتعزيز النمو والحراك الاجتماعي. علاوة على ذلك، فإن تحسين المهمة وحوكمة الشركات لمراعاة جميع أصحاب المصلحة على نحو أفضل من شأنه أن يعزز العدالة الاجتماعية والإدارة البيئية.

من خلال هذه السياسات، ستجعل الحكومات الديمقراطية الاقتصادية والتمكين أولوية قصوى. كما يمكن أن تعزز الكفاءة الاقتصادية من خلال القيام بإصلاحات ضريبية تمثل العوامل الخارجية البيئية والاجتماعية السلبية بالإضافة إلى الأرباح الاحتكارية والمكاسب الرأسمالية من العقارات. يمكن أن تؤدي إصلاحات الرعاية الصحية والتعليم والسياسة الحضرية إلى تحسين الفرص الاقتصادية وتحقيق فوائد أخلاقية ومدنية واجتماعية وبيئية مهمة.

كما يتطلب استعادة الثقة في المؤسسات معالجة التحديات الديمقراطية في النظم السياسية والحوكمة العالمية. يجب كبح قوة الشركات وتأثير الثروة في السياسة؛ قد تكون ﻣواءﻣﺔ ﺗﺷرﯾﻌﺎت مكافحة الاحتكار ﻣﻊ التكنولوجيات الحديثة بداية جيدة. علاوة على ذلك، قد تؤدي شبكات التواصل الاجتماعي التي تدعم الديمقراطية، إلى تقويض الشفافية والمساءلة التي تعتمد عليها الديمقراطية. لذلك، يجب التعامل مع الإعلام الرقمي والتقليدي كسلع مشتركة، ويجب إقامة الحوكمة المناسبة التي تشمل المجتمع المدني، للحفاظ على جودة المحتوى واستقلال المنتجين من المصالح التجارية والتأثير الحزبي.

لا تزال أغنى البلدان تهيمن على بنية آليات الإدارة العالمية. لن تتمكن المنظمات الدولية وسياساتها من إثبات وجودها ما لم وإلى أن يتم تخفيف اختلال القوة.

في جميع أنحاء العالم، تبشر التجارب في المشاركة والتداول الديمقراطيين باتخاذ قرارات أكثر شمولاً. قد يسهم ذلك في الحد من عدم المساواة في المجتمعات وتوفير ضمانات بيئية أقوى. مع الأنظمة والحوافز الملائمة، يمكن أن تخدم الأسواق وسلوك الشركات والتكنولوجيات الجديدة التقدم الاجتماعي والأهداف البيئية. نعتقد أن خلق مجتمع أفضل ليس أمراً مستحيلاً.

إن مؤلفي تقرير الفريق الدولي المعني بالتقدم الاجتماعي ليسوا ساذجين. ندرك أن العديد من مؤسساتنا الحديثة تم تصميمها لمعالجة مشاكل حقبة أخرى ويجب إعادة اختراعها. ليس من السهل تحديد الجهات الفاعلة أو المنظمات التي ستتمكن من النجاح في أداء هذه المهمة. ولكن في غياب حركة متماسكة تساعد على إحداث تغيير فعلي، فإن التحالفات المرنة بين الجهات الفاعلة والحركات السياسية والبيئية وقادة الأعمال والعمال والمُحسنين والأقليات والناشطين قادرة على متابعة القضايا البيئية والاجتماعية بطريقة لامركزية.

لا يمكن فصل اتخاذ إجراءات ضد تغير المناخ عن القضايا الاجتماعية. إن مكافحة تغير المناخ وتعزيز العدالة الاجتماعية يجعل من الصعب تجاهل أي منهما.

* أستاذ في كلية وودرو ويلسون للشؤون العامة والدولية بجامعة برينستون.

 

* رئيسة سابقة لمجلس البحوث الأوروبي وأستاذة العلوم والدراسات التكنولوجية في ETH زيوريخ.

opinion@albayan.ae

طباعة Email
تعليقات

تعليقات