الصين نموذج رائد في التطوير والتنمية

أصبحت الصين، بعد أربعة عقود من التطور السريع، رائدة في جميع مجالات التطوير والتنمية، إذ تميز أداؤها بشكل لافت وحققت أرقام نمو وتقدم نوعية ذلك منذ انطلاق عملية الإصلاح والانفتاح قبل 40 عاماً. والآن، وبما أنها تستثمر المزيد من رؤوس الأموال في الخارج، فإن لديها مصلحة قوية في كيفية إدارة الدول التي تستثمر فيها، لكن هل العالم مستعد للتعلم منها؟

في السنوات الأخيرة، استخدمت الصين سياسة «الخروج» الأكثر حزماً - والتي تم التعبير عنها بشكل طموح في مبادرة الحزام والطريق المهمة - لتعزيز مصلحتها الاقتصادية وإبراز القوة الناعمة. يريد قادة الصين إعادة بلدهم إلى مكانتها التي تستحقها في العالم.

بلغ حجم الاقتصاد الصيني ذروته في عام 1600، حيث شكل أكثر من ثلث الاقتصاد العالمي. انخفضت حصتها من الناتج المحلي الإجمالي العالمي ببطء حتى عام 1820، عندما بدأت في الانخفاض بشكل حاد، بسبب تأثير الثورة الصناعية الهائل على النمو الاقتصادي في الغرب. وبحلول أوائل الستينيات من القرن الـ20، انخفضت حصة الصين من الناتج المحلي الإجمالي العالمي إلى أقل من 5%.

وبعد إطلاق دنغ شياو بينغ عملية الإصلاح والانفتاح في الصين، حظيت إنجازات التنمية، التي أحرزتها البلاد بإشادة كبيرة باعتبارها «معجزات» للتاريخ البشري. ومنذ 1978، أسهمت الصين في إخراج مئات الملايين من الناس من الفقر، واستمرت حصتها من اقتصاد الناتج المحلي الإجمالي العالمي في الارتفاع، والتي تبلغ الآن الخُمس. إذا كانت الصين ترغب في زيادة نفوذها الدولي من خلال جعل تجربتها نموذجاً للآخرين، فعليها أن تحدد الآليات التي تقوم على أساس نجاحها وتشرح سبب قابليتها للتحويل.

ولذلك، كان إطلاق مركز جديد من قبل جامعة تسينغهوا في بكين أمراً مهماً للغاية. يركز المركز الأكاديمي للممارسات والأفكار الاقتصادية الصينية، على فهم ونشر تجربة التنمية في الصين. في وقت سابق من هذا الشهر، قام المركز بنشر تقريره الأول، والذي يطلق عليه اسم «الدروس الاقتصادية المستفادة من 40 عاماً من الإصلاح والانفتاح في الصين».

يتضمن التقرير 5 ملاحظات مهمة. بداية، كان النمو على مدار العقود الأربعة الماضية مدفوعاً أساساً بدخول شركات جديدة، بدلاً من إعادة هيكلة الشركات القديمة. وعلاوة على ذلك، لعب توزيع الإيجارات بدءاً من تحويل الأراضي الزراعية إلى الاستخدام الصناعي والسكني دوراً حيوياً في تشجيع الاستثمار. وفي الوقت نفسه، كان التوسع المالي ضرورياً لتحفيز النشاط التجاري والاستهلاك. إضافة إلى ذلك، شجعت عملية الانفتاح على التعلم، حيث مكنت سياسة الاقتصاد الكلي الاستباقية البلاد من تجنب الأزمات المالية وتخفيف التقلبات في النمو.

تتعلق أحد الأسئلة الرئيسة التي أثارها التقرير - وأي تحليل لتجربة التنمية الصينية منذ عام 1978- بالأدوار النسبية للدولة والسوق، هل كان ظهور شركات خاصة جديدة أو تقديم يد المساعدة للحكومة مهماً لنجاح الصين؟

هذا سؤال جديد، ولكن كما أشار داني رودريك، الاقتصادي من جامعة هارفارد، في حفل انطلاق مسيرة الإصلاح والانفتاح، فإن الطريقة التي يجيب بها المرء عن هذا السؤال تميل إلى قول المزيد عن حياتهم أكثر من التحدث عن الاقتصاد الصيني. تعتبر الصين، وفقاً لرودريك، بمثابة اختبار رورشاخ (اختبار سيكولوجي للشخصية والذكاء) بالنسبة للاقتصاديين.

ومع ذلك، قد يوفر تقرير المركز الأكاديمي للممارسات والأفكار الاقتصادية الصينية نظرة معمقة ومفيدة لهذا السؤال، من خلال تسليط الضوء على كيفية تفاعل إدارة الدولة والتحرير الاقتصادي. كانت المؤسسات الخاصة الجديدة هي المحرك الرئيس للنمو الاقتصادي. وأسهمت الدولة في خلق حوافز قوية لدخول السوق. واستثمر رجال الأعمال بشكل كبير في علاقاتهم مع السلطات الحكومية، واستخدمت الدولة إشارات السوق لتوجيه تخصيص الموارد وتقييم المبادرات التجريبية.

إضافة إلى تشجيع دخول الشركات الجديدة، جمعت الدولة الصينية موارد محلية كبيرة للاستثمار. والأهم من ذلك، فقد ضمنت الدولة التجريب المستمر والتعلم على جميع مستويات الحكومة، والذي سيبقى ضرورياً في تعامل الصين مع قضايا مثل عدم المساواة.

ومع ذلك، يعد شرح العوامل الرئيسة وراء حفاظ الاقتصاد الصيني على نمو مستقر وسريع مجرد خطوة أولى. إذا كانت الصين ترغب في تصدير نموذج التنمية الخاص بها بشكل فعلي، فستحتاج إلى التغلب على الحواجز الأخرى- مثل تزايد عدم الثقة الدولي.

ومن بين الدول المتقدمة، يشعر الكثيرون بالاستياء بشأن حرية الصين في استغلال ابتكارات الآخرين، بما في ذلك مطالبة الشركات الأجنبية بمشاركة تقنيتها مع الشركات الصينية شرطاً للوصول إلى السوق. على الرغم من أنه من الطبيعي تماماً بالنسبة لبلد في مرحلة التنمية الاقتصادية الصينية أن تستوعب وتقلد التكنولوجيا الأجنبية، فإن حجمها وقوتها السوقية تزيد بشكل كبير من قدرتها على تشجيع نقل التكنولوجيا. وقد كانت الصين سعيدة باستخدام هذا النفوذ، في كثير من الأحيان بطرق يعتبرها منافسوها غير عادلة.

وفي هذه الأثناء، تتساءل الدول النامية بشكل متزايد عما إذا كان الاستثمار الصيني يساعدها بالفعل. حتى الآن، تجنبت الصين عموماً تكييف استثماراتها وفقاً لمتطلبات السياسة الواضحة، ولكن مع العديد من الاستثمارات التي حققت عوائد اقتصادية منخفضة، لم تعد الصين قادرة على تجاهل كيفية استخدام مواردها أو مديونية المستفيدين من القروض.

ومع حث الدول الأخرى على قبول الدروس المستفادة من تجربتها التنموية، تواجه الصين معضلة صعبة. بعد كل شيء، تدين الصين بنجاحها التنموي جزئياً إلى الحقيقة التي تتمثل في احتفاظها بالملكية والسيطرة الكاملة على العملية. وفي وقت يتزايد فيه الاستياء من نفوذها الدولي المتزايد، تراجعت قدرة الصين على الترويج لنموذجها التنموي بشكل ملحوظ. ليس من الجيد أن يظل الغرب مصراً على عدم السماح بالنهج غير الديمقراطي بالنجاح عالمياً، نحن متجهون نحو صراع النظم وليس صراع الحضارات، وبالتالي، نحن بحاجة إلى التكيف مع بعضنا البعض.

إن رفض البلدان النامية الدروس المستفادة من معجزة الصين الاقتصادية ليس منطقياً، كما أن زيادة التوتر بين الصين والغرب ليس في مصلحة أحد. بدلاً من ذلك، يجب أن تكون الدول منفتحة على التعلم من الصين، والتي يجب أن تعترف بدورها بحدود نموذجها السياسي، حتى بالمقارنة مع الديمقراطيات المعيبة في الغرب.

 

مدير معهد الشؤون العالمية في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية.

opinion@albayan.ae

طباعة Email
تعليقات

تعليقات