المشكلة الأفريقية لمجموعة العشرين

صورة

لم تكن هذه سنة سهلة بالنسبة لمجموعة العشرين فقمة 2018 التي ضمت قادة أكبر اقتصادات العالم تقام في بيونس إيريس وهي مدينة لا تزال تترنح من انهيار العملة، وبشكل عام تعقد القمة في خضم تفكك النظام متعدد الأطراف فكل شيء من الناتو إلى التوافق المتعلق بالتغير المناخي يبدو انه يتفكك.

لكن ومع ذلك فإن مجموعة العشرين تعتبر نفسها منذ فترة طويلة قادرة على حل المشكلات العالمية، حيث نشأت تلك المجموعة بعد الأزمة المالية الآسيوية سنة 1997 وبرزت لاحقاً لذلك كمنتدى عالمي رئيسي لمعالجة آثار الانهيار المالي سنة 2008 وبعد عقد من ذلك التاريخ فإن هناك أزمة عالمية على الأجندة مرة أخرى، ولكن هذه المرة فقد أخذت شكل الحرب التجارية المتصاعدة بين دولتين عالميتين.

لكن بخلاف سنة 2008 فإن قدرة العالم على اتخاذ القرارات متعددة الأطراف في تدهور فالاتحاد الأوروبي يبقى مشغولاً بنزاعاته الداخلية، كما يوجد هناك أيضاً تأثيرات الحمائية التي تبنتها إدارة ترامب، ولقد أشارت منظمة التجارة العالمية مؤخراً إلى انه رداً على الرسوم الجمركية للولايات المتحدة الأميركية، قامت بلدان مجموعة العشرين بفرض حوالي 40 قيداً جديداً على الواردات مما يؤثر على ما يعادل 481 مليار دولار أميركي من التجارة العالمية - زيادة بمقدار ستة أضعاف مقارنة بالعام الذي سبقه.

لكن بينما تنسحب الاقتصادات العملاقة على مستوى العالم من التعددية، فإن أفريقيا كانت تسير بهدوء في الاتجاه المعاكس ففي وقت سابق من هذا العام، اتفقت بلدان القارة على اتفاقية تجارة قارية حرة أفريقية جديدة والتزمت بالسعي لمزيد من التكامل الاقتصادي وفي البنية التحتية عبر الحدود، وذلك ضمن إطار الاتحاد الأفريقي وكما نصت عليه أجندة الاتحاد الأفريقي 2063.

لكن على الرغم من تبنيها للتعددية، عانت أفريقيا من أجل جذب انتباه مجموعة العشرين، فجنوب افريقيا هي الدولة الأفريقية الوحيدة في مجموعة العشرين، حيث يتوجب على جنوب افريقيا ان توازن بشكل مستمر بين التحدث من اجل خدمة مصالح القارة ومن دون فرض صوتها على جاراتها.

صحيح ان ممثلين عن الاتحاد الأفريقي والشراكة الجديدة للتنمية الأفريقية يحضرون قمم مجموعة العشرين، ولكن الدول التي تتبوأ الرئاسة الدورية لكل من تلك المؤسسات ليس لديها القدرة دائماً على التمثيل القوي نيابة عن القارة.

إن ما يزيد من تفاقم هذه المشكلة هو النطاق المحدود لتعاملات مجموعة العشرين مع افريقيا فعوضاً عن اشراك افريقيا في المناقشات الأشمل المتعلقة بصياغة التجارة العالمية والتغير المناخي ومستقبل العمل، فإن مجموعة العشرين قد جعلت ارتباطاتها مع القارة يقتصر على معالجة القضايا التنموية الأضيق.

في واقع الأمر فإن الفجوة الكبيرة في افريقيا بالنسبة للبنية التحتية والتكامل الإقليمي البطيء والمستويات العالية من البطالة كلها تنبع من نقص في التنمية. لا يوجد احد يقول انه يتوجب تجاهل التنمية ولكن يجب ان لا تكون نقطة التركيز الوحيدة فعندما ينحصر الارتباط العالمي مع افريقيا بالتنمية فحسب، تصبح القارة هي فقط عبارة عن مجموعة من المشكلات يتوجب على اللاعبين الخارجين حلها وهذا التوجه يحرم افريقيا من المشاركة كعضو شرعي وعلى قدم المساواة ضمن المجتمع الدولي فلو لم تستطع الحصول على مقعد على الطاولة فربما ستكون انت جزءاً من قائمة الطعام.

طبقاً للوضع الحالي فإن معظم ارتباط مجموعة العشرين بأفريقيا يحصل من خلال مجموعة العمل التنموي الخاصة بها والتي تركز على اللبنات الأساسية للتنمية مثل القضاء على الفقر وهذا يعني ان افريقيا ليس لديها رأي في العديد من القضايا المتعلقة بالتنمية، مثل البنية التحتية وشكل الاقتصاد الرقمي والنظام المصرفي العالمي، وكنتيجة لذلك فإن مشاكل رئيسية مثل الإقصاء الهيكلي لأفريقيا من الأسواق العالمية - والذي يعود بشكل عام إلى الدعم الزراعي المحلي للدول الأعضاء في مجموعة العشرين ــ لا يتم التطرق إليها.

إن هذا الأسلوب لا ينطوي على العدالة بالنسبة لأفريقيا كما ينطوي على المخاطر لمجموعة العشرين، فأفريقيا تمثل المستقبل السكاني للعالم والمسار التنموي لأفريقيا سيؤثر بشكل متزايد على الاقتصاد العالمي وبحلول سنة 2050، ستكون نيجيريا ثالث اكبر دولة بالعالم من حيث عدد السكان وبحلول سنة 2100 سيكون ثلث سكان العالم من الأفارقة.

إن من الواضح أن أي خطة مستقبلية تتوصل اليها مجموعة العشرين يجب ان تضع افريقيا على قمة أولوياتها. إن حصر افريقيا بمجموعة من التحديات التنموية لم يعد يجدي نفعاً.

لكن مجموعة العشرين تستحق الإشادة بسبب اهتمامها المتزايد بأفريقيا في السنوات الأخيرة فخلال الرئاسة الصينية سنة 2016، قامت مجموعة العشرين بجعل التصنيع في أفريقيا على قمة أولوياتها واتبعتها «بالعقد مع أفريقيا» خلال الرئاسة الألمانية سنة 2017، وبدورها أطلقت الأرجنتين مبادرة خاصة بها تتعلق بأفريقيا ولكنها عملت على الاهتمام بتحسين التعاون مع القارة من خلال الدبلوماسية التي تعتمد على التواصل بين الشعوب.

إن العقد مع افريقيا مصمم لتسهيل الإصلاحات الاقتصادية في طول القارة وعرضها وجذب الاستثمارات من مجموعات تمويل القطاع الخاص في الشمال العالمي ولكن على الرغم من الأثر الطيب لتلك المبادرة بالنسبة للقادة الأفارقة فإن هذا العقد يساهم في استمرارية التوجه الذي يحصر الارتباط مع افريقيا بالقضايا التنموية.

لو نظرنا للمستقبل، سنجد انه يتوجب منح افريقيا دوراً اكبر في تحديد اجندة مجموعة العشرين. ستتأثر القارة بشكل غير متناسب بسبب تغير المناخ والهجرة الانتقالية ولكنها لن تكون قادرة على التعامل مع تلك التحديات لو تمت اعاقة التنمية بسبب النظام التجاري العالمي الذي يفتقر للمساواة.

إن هذه القضايا كانت على الأجندة في بيونس ايريس ولكن مناقشتها افتقرت بشكل عام إلى وجهة النظر الأفريقية، وهذا يجب ان يتغير فقد حان الوقت لحلول خلاقة من اجل جعل مجموعة العشرين، أكثر تمثيلاً وأكثر فعالية في ارتباطها مع العالم، حيث إن مستقبلنا الجماعي يعتمد على ذلك.

 كوبس فان شتادن - باحث أول للسياسة الخارجية في المعهد الجنوب أفريقي للشؤون الخارجية.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات