فوائد التعاون والأسواق المفتوحة

صورة

يمر الاقتصاد العالمي بتحول بعيد المدى، وهو تغيير يأتي مدفوعاً بتحولات طارئة على سكان الدول وإنتاجياتها وثرواتها ونفوذها وطموحاتها، وتتجلى التوترات الناجمة عن تلك التغيرات كأوضح ما تكون في النزاعات المتصاعدة بسبب التجارة.

فرغم بعض التفكك في الاقتصادات الناشئة، جاء رد فعل الأسواق إزاء حرب تبادل فرض الرسوم الجمركية حتى الآن خافتاً. وربما يفترض المستثمرون أن هذا كله جزء من عملية لإعادة التفاوض ستتمخض في النهاية عن قواعد جديدة للاشتباك في مجال الأعمال في العالم، وهي قواعد قد تكون أكثر محاباة للأقوياء وذوي النفوذ.

غير أن مثل هذه الافتراضات قد لا تقدر بدرجة كافية مدى تعقد القضايا المطروحة، وأولها مسألة مواطن خلق الاستثمار والوظائف، وهي مسألة مهمة سياسياً. فالنظر إلى قضايا الرسوم الجمركية والحواجز التجارية وحدها على أنها تكتيكات تفاوضية انتقالية، لن يغير كثيراً في نماذج الاستثمار العالمي أو بنية سلاسل الإمداد والتوظيف في العالم.

يرى أنصار سياسات الحماية أن قوة الرسوم الجمركية وغيرها من الحواجز التجارية الأخرى تكمن في قدرتها على الحد من الغش والانتفاع المجاني، ما يعني ضمنياً أن مثل هذه الإجراءات قد تساعد في القضاء على مظاهر التوتر والاختلال والاستقطاب المرتبطة بالعولمة، ولا شك أن «الغش» مفهوم نسبي يختلف باختلاف رؤية كل طرف. فقد تعتبر إعانات الدولة لقطاعات معينة، بما في ذلك المعاملة التفضيلية للمشروعات المملوكة للدولة، ضرباً من الغش.

وكذلك الأمر بالنسبة لطلب نقل التكنولوجيا مقابل إتاحة الوصول للأسواق، والمشتريات الحكومية التي تنحاز لكيانات محلية، والقبول ببيئات عمل غير آمنة وممارسات عمل استغلالية، والتلاعب في سعر الصرف، أما معيار الانتفاع المجاني فيتوقف على ما إذا كان إسهام دولة ما في توفير المنافع العامة العالمية ــ مثل الدفاع، والأمن، والمعرفة العلمية والتكنولوجية، والحد من تغير المناخ، واستيعاب اللاجئين ــ ضئيلاً للغاية مقارنة بقدراتها وإمكانياتها. ويعتمد تحديد المقصرين هنا على الموضوع المعني.

لكن أياً كانت الجوانب السلبية للغشّ والانتفاع المجاني، يستبعد أن يؤدي علاج هذه الأنماط من السلوك إلى التخلص من الظروف التي تسببت في الاستقطاب الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

فرغم كل شيء، كانت حرية انتقال العمالة والوظائف المحرك الرئيس لتنظيم سلاسل الإمداد العالمية لثلاثة عقود على الأقل - والتي تسارعت حركتها بالطبع مع صعود الصين - مما كان له تأثيرات كبرى على صعيد التوزيع والتوظيف. وحتى لو كانت الصين والاقتصادات الناشئة الأخرى قد التزمت بالنصّ الحرفي لقواعد منظمة التجارة العالمية، يبدو من المستبعد أن تختفي التأثيرات التوزيعية لاندماج هذه الاقتصادات في الاقتصاد العالمي.

وتدفع مثل هذه الجهود العالم باتجاه نظام أكثر تفتتاً، ناهيك عن التحديات والمخاوف الناشئة عن القفزات التكنولوجية، لاسيما في مجال التكنولوجيا الرقمية، في الأمور المتعلقة بكل من الأمن القومي والأداء الاقتصادي، التي تدفع العالم أيضاً نحو المزيد من التفتت.

قبل 15 عاماً، لم يكن بوسع الكثيرين التنبؤ بتحول منصّات ضخمة مثل جوجل وفيسبوك إلى أطراف رئيسية فاعلة في مجالات مثل التعرف على الصور، والذكاء الاصطناعي، وتطوير مركبات ذاتية القيادة «بما في ذلك المركبات العسكرية»، لكن هذا ما حدث بالضبط. وفي الحقيقة، تعمل جوجل الآن كمتعهد عقود دفاعية «لكنها قد لا تجدد تعاقدها».

ونظراً للآثار الأمنية المترتبة على تلك التطورات، إضافة إلى مجموعة من القضايا الأخرى مثل خصوصية البيانات والأمن، والتفتت الاجتماعي، والتدخلات الخارجية في الانتخابات، لم تعد الدول مستعدة لترك فضاء الإنترنت دون تنظيم، لكنها غير مستعدة أيضاً لتوكيل المهمة إلى جهاز فوق وطني. ومن ثم، تقوم كثير من الدول بتولي الأمور بنفسها، ما أفضى إلى تباعدٍ متنامٍ بين الدول في مجال تنظيم الإنترنت.

وقد جرى مؤخراً توسيع مجال عمل وسلطة لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة، وهي لجنة مسؤولة عن مراجعة آثار الملكية الأجنبية للشركات أو العمليات الأميركية، ما يعكس هيمنة صبغة الأمن القومي على مبادرات تنظيم الإنترنت.

لكن رغم هذه الجهود، تبقى الحقيقة المؤكدة أن الحدود القومية لا يمكنها بسهولة منع عبور الجديد والمبتكر. بل على العكس، قد يصبح انتشار الأفكار أكثر أبعاد العولمة تأثيراً في المستقبل.

ورغم ما قد يسببه ذلك من تعقيد لتخطيط الأمن القومي، فهو يمثل فرصاً جديدة قوية لمجال الأعمال، حتى مع ما تواجهه التجارة من ظروف معاكسة. وقد حدثت بالفعل انطلاقة قوية لنماذج أعمال مبتكرة قائمة على التكنولوجيا الرقمية، قد يصبح كثير منها محركات للنمو الشامل، لاسيما في الاقتصادات الناشئة.

وتمثل الأنظمة البيئية المدعمة رقمياً ذات البنية المفتوحة والحواجز المنخفضة مثالاً لنموذج ناشئ ذي قوة اقتصادية محتملة هائلة.

هناك عامل محرك أكثر حيوية سيشكل طريقة تطور الاقتصاد العالمي في العقود القادمة وهو التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة الأميركية. عند هذه النقطة تحديداً يستحيل تعيين الشكل الذي قد تتخذه هذه المنافسة. والأمر الواضح هنا هو أن كل جزء من الاقتصاد العالمي سيتأثر بمزيج التعاون والمنافسة الذي سينشأ عن ذلك.

في مواجهة منافسة قوية كهذه، قد يتوقع المرء أن تتبع الولايات المتحدة استراتيجية ترتكز على بناء وتوسيع ودعم التحالفات مع حلفائها الطبيعيين، بشأن فوائد التعاون الدولي والأسواق المفتوحة.

وأي انفصال بين الولايات المتحدة وحلفائها التقليديين، إن تحول إلى سمة دائمة للنظام العالمي الجديد، من شأنه أن يفضي إلى انقسامات أعمق بين ديمقراطيات العالم الموجهة نحو السوق. ولا ريب أن هذا سيُحدث تحولا طويل الأجل في موازين القوى لصالح الصين، التي تتحرك بخطى ثابتة باتجاه اكتساب لقب أكبر اقتصاد في العالم.

 مايكل سبنس - حائز على جائزة نوبل في علوم الاقتصاد، وأستاذ الاقتصاد في كلية شتيرن لإدارة الأعمال في جامعة نيويورك، وزميل رفيع المستوى في مؤسسة هوفر.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات