العدوى فكرية وليست مالية - البيان

العدوى فكرية وليست مالية

صورة

يخلد العالم هذا العام الذكرى الـ50 لربيع براغ «واضطهاده»، والذكرى المئوية لنهاية الحرب العالمية الأولى ومرور 200 عام على ميلاد كارل ماركس. في ظل هذه الأحداث، هل يتعين علينا حقاً الاهتمام بالذكرى العاشرة لسقوط ليمان براذرز؟

أجل، يتعين علينا ذلك. قد لا يكون ليمان بنكاً كبيراً بشكل خاص، ومن المحتمل أنه لم يكن حتى مفلساً عندما سقط. ورغم ذلك، فقد كان على وشك تدمير النظام المالي العالمي وأدى إلى الركود الاقتصادي. لقد كان ليمان تحويلياً لأنه غير بشكل جذري فهم الأشخاص للعالم حولهم.

دفع الخوف عام 2008 من «ولادة ليمان آخر» ومن وقوع كارثة مالية كبيرة، الولايات المتحدة الأميركية إلى البدء بإصلاحات واسعة النطاق. وغالباً ما كان يُعتمد على ليمان أثناء الأزمة المالية الأوروبية التي اندلعت بعد عام 2010 خوفاً من «دوامة الموت» نتيجة إفلاس الحكومات وتقصيرها. ومنذ ذلك الوقت، فقدت، ما يبدو، قصة الرعب فعاليتها، حيث إن الولايات المتحدة الأميركية بصدد التخلي عن إصلاح البنوك، بينما ارتفعت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى مستوى أعلى مما كانت عليه في 2008.

ورغم ذلك، يرى صُناع القرارات والآراء أن للأزمة المالية تلك ثلاث روايات جديدة: أولاً، بعد ليمان، لقي الكتاب الدقيق المجانين، الخوف، والاصطدام للخبير الاقتصادي الأميركي تشارلز كيندلبورغرز، شعبية لم يسبق لها مثيل. وقد اعتمد كيندلربورغرز بشكل واضح على العمل الذي أنجزه الخبير الاقتصادي الأميركي هيمان مينسكي حول الدورة المالية، وقُرئ محتوى كتابه على أنه تحذير من «أصولية السوق».

ثانياً، لقد جعل سقوط ليمان من انهيار وول ستريت عام 1929 والكساد الكبير حدثين ذات صلة بما يقع في الوقت الراهن. إذ استفاد صُناع القرار من دروس السنوات بين الحروب، وتفادوا بنجاح أن تكرار مثل تلك السنوات. فخلال الكساد الكبير، خاصة في ألمانيا وفي الولايات المتحدة الأميركية، كان الموقف السائد هو ذلك الذي تبناه أمين الخزينة الأميركية آنذاك أندرو ميلون: «أوقفوا الإنتاج، بيعوا الأسهم، سرحوا العمال، بيعوا العقار». بينما كان الرد خلال الركود الاقتصادي عن طريق تعويض الديون الشخصية غير المستقرة بالديون العامة، ويمكن لهذا التدخل أن يكون مستداما فقط إن بقيت معدلات الفائدة منخفضة.

ثالثاً، كان سقوط ليمان علامة على نهاية الرأس مالية الأميركية. وكانت لقصة تأثير الفراشة هذه شعبية في كل بلد ضاق ذرعا من تحكم الولايات المتحدة الأميركية فيه. وكما فسّر وزير المالية الألماني آنذاك بير ستينبروك «ستفقد الولايات المتحدة الأميركية مركزها كأقوى دولة في النظام المالي العالمي، ليس بشكل مفاجئ، ولكن بشكل تدريجي».

في البداية، وعلى نطاق واسع، اعتُبرت أزمة عام 2008 كارثة أميركية في غالبيتها، وهذا راجع إلى تحكم الذكور في مالية البلاد وميول هذا الأخير إلى تشجيع ملكية المنازل حتى بالنسبة لمن لا يستطيع ذلك مادياً. ولم تعتبر هذه المسألة عابرة للأطلسي إلا تدريجياً، حيث بيّن لاحقاً الخبيران الاقتصاديان، هون سانغ شين وتميم بايومي، أن البنوك الأوروبية المنظمة بشكل سيئ والكبيرة بشكل مبالغ فيه، لعبت دوراً رئيسياً في تعريض النظام المالي للخطر، وليست أي من الروايتين الشعبيتين الأولى والثانية صحيحة. فالأزمة ليست نتاجاً للانهيار الأسواق، بل هي نتاج للمؤسسات المبهمة والمتدهورة التي ليست لها علاقة بالسوق والتي أصبحت مترابطة بشكل وثيق وغريب. إن الازمة مشكلة معقدة وليس للأسواق في حد ذاتها صلة بها.

وكان السبب وراء كون ليمان مشكلاً معقداً هو أنه لم يكن فعلاً شركة مؤسسة فردية، بل كان يتضمن 7000 وحدة متفرقة في أكثر من 40 بلداً كانت كلها ملزمة بالخضوع لعملية التقييم والإفلاس المعقدة والمكلفة. وخلق هذا الغموض الذي كان استثناءً أميركياً شعوراً بأن العالم يقترب من كساد كبير، بينما لم يكن الأمر كذلك.

إن الأزمة نتاج عن تزايد المشاريع القصيرة الأمد في الأسواق المالية. فبينما كانت بعض البنوك ترغب في التخلص من المنتجات قبل فسادها، كان مشاركون آخرون في السوق يسعون للربح من خلال الفرص القصيرة الأمد، غير مكترثين لنجاح الاستثمار الطويل الأمد. وفي هذا السياق، كان التقلب مرغوباً فيه لكونه يخلق فرصاً جديدة للربح.

بعد انهيار ليمان، كان للروايتين التوأمتين حول «انهيار الأسواق» و«كساد كبير آخر» تأثير كبير على الرأي العام، فضلاً عن أنهما خلقتا رواية ثالثة أثبتت صحتها. ففي الواقع، تراجعت السلطة المالية والسياسية لأميركا.

إن التفوق العالمي للولايات المتحدة الأميركية كان مبنياً على السلطة الاقتصادية والسياسية. لكنه كان مبنياً أيضاً على شيء أكثر أهمية: الثقة بقدرة أميركا على الوفاء بوعودها على الأمد البعيد. إلا أن الأزمة أضعفت هذه الثقة رغم أن القوة الاقتصادية والسياسية لأميركا تراجعت بشكل طفيف فقط. لكن العدوى الأكبر كانت فكرية وليست مالية.

إن التصرفات السياسية لا تأتي من الفراغ، إذ كان مصدر نفس العقلية القصيرة الأمد والحماسية التي أطاحت بليمان في ذاك الوقت هو بقية المجتمع. وظهرت هواتف الآيفون عام 2007 بشكل ملحوظ، وكان ذلك علامة أولى على قرب اندلاع أزمة.

ورافقت الهواتف الذكية شتى الإمكانيات الحديثة، إذ أضافت الحيوية لمواقع التواصل الاجتماعي غير المكتملة مثل فيسبوك وتويتر، ووفرت قاعدة لتيندر وغيره من البرامج التي حولت الحياة الاجتماعية للملايين، حيث أصبحت العلاقات العاطفية قصيرة الأمد بشكل أكثر، وبعيدة عن الالتزام الطويل الأمد، فلقد شجعت الآلات والمنصات الرقمية الفردية المفرطة. لكنها أثرت على الآراء والتصرفات السياسية أيضاً، حيث أصبح من السهل أكثر مما سبق أن تفرض آراءك وتجنب الآراء البديلة في نفس الوقت. ومن بين النتائج غير المفاجئة، ثقافة الشيطنة والاستغلال والتلاعب التي نراها اليوم على الإنترنت.

إن أغلب التقلبات السياسية ناتجة عن هذه الطرق الجديدة في التفكير والتواصل، فقد تبنّت التكنولوجيا والسياسة نفس التفكير: تدمير الاستمرارية وتمجيد ما هو قصير الأمد.

إن انهيار ليمان براذرز كشف عن خلل ليس في المالية فقط بل في سياسات القرن الواحد والعشرين ومجتمعه. والمثير للسخرية هو أنه بدل أن تتصدى الأزمة لمرحلة يسود فيها كل ما هو قصير الأمد بسبب التكنولوجيا، ساعدت هي في تسريعها.

* أستاذ لشعبة التاريخ والشؤون الدولية بجامعة برينستون وزميل أول في مركز الإبداع للحكامة الدولية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات