مبادئ الاقتصاد الكلّي وحلم الرخاء - البيان

مبادئ الاقتصاد الكلّي وحلم الرخاء

صورة

في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، يستقر الطلاب في الجامعة، ويحاولون فهم واستيعاب الدورة «إيكون 101» «مبادئ الاقتصاد الكلي»، الواقع أن هذه الدورة التمهيدية تُدَرَّس عادة مع رسالة مطمئنة في عمومها: إذا سُمِح للسوق بالعمل، فإن النتائج الطيبة ــ مثل نمو الإنتاجية، وزيادة الأجور، والرخاء المشترك عموماً ــ سوف تتبع ذلك بكل تأكيد.

ولكن بكل أسف، كما يشير جيمس كواك «الذي شاركني في تأليف عدة كتب» في كتابه الأخير بعنوان «تغليب النزعة الاقتصادية: الاقتصاد ونشوء التفاوت»، فإن دورة «إيكون 101» بعيدة عن كونها كافية لعرض القصة الكاملة إلى الحد الذي يمكن معه اعتبارها مضللة في حقيقة الأمر، على الأقل بوصفها دليلاً لصنع السياسات المعقولة. فالأسواق من الممكن أن تكون طيبة الأداء، لكنها أيضاً عُرضة بشكل عميق لممارسات مسيئة، بما في ذلك من قِبَل أشخاص بارزين في القطاع الخاص. وهذا ليس تخوفاً نظرياً، بل يشكل عنصراً أساسياً في مناقشاتنا السياسية الحالية، بما في ذلك التشريع الأميركي الجديد المهم الذي طُرِح للتوّ.

تتمثل إحدى المشاكل الأساسية في حقيقة مفادها أن حوافز السوق تكافئ السلوك الشخصي الذي يدور حول الذات، دون التفات إلى الفوائد الاجتماعية أو التكاليف. فنحن نتجاهل عادة التأثيرات التي تخلفها تصرفاتنا على آخرين، أو «العوامل الخارجية». لكي نكون منصفين، تناقش الكتب الأكاديمية لدورة إيكون 101 هذه القضية في بعض السياقات، مثل التلوث، ومن المقبول على نطاق واسع أن يكون الضرر البيئي في احتياج إلى التنظيم إذا كان لنا أن نحصل على هواء نظيف، ومياه نظيفة، وأن نتمكن من الحد من استخدام ملوثات أخرى.

للأسف، لا يشمل نطاق تعبير «مقبول على نطاق واسع» الإدارة الأميركية الحالية، المشغولة بإلغاء تدابير الحماية البيئية عبر نطاق عريض من الأنشطة. وتشير تقديرات صحيفة نيويورك تايمز إلى 76 عملية إلغاء جارية. والفِكر وراء هذه السياسة مستقى بشكل مباشر من الأسابيع القليلة الأولى من دورة «إيكون 101»: ابتعد عن طريق السوق. وهناك نتيجة لهذا قدر كبير من التلوث ــ بما في ذلك المزيد من الانبعاثات الغازية المسببة للانحباس الحراري الكوكبي ــ في مستقبل أميركا.

هناك أيضاً مشكلة أشد عمقاً. فمن المفترض عموماً في إيكون 101 أن الشركات ينبغي لها أن تعمل على تعظيم أرباحها، وأن هذا هو الأفضل للمساهمين والمجتمع. لكن فكرة «الشركة» مجرد اختزال لأشخاص منظمين في هيئة معينة. فالأشخاص، وليس الشركات، هم من يتخذون القرارات. ولكي نفهم طبيعة هذه القرارات وتأثيرها، يتعين علينا أن ننظر عن كثب في الحوافز التي تحرك كبار مديري الشركات وأعضاء مجالس الإدارة.

منذ سبعينيات القرن العشرين، أصبح الأشخاص الذين يديرون الشركات أكثر تركيزاً على زيادة تعويضاتهم، من خلال المكافآت، وخيارات الأسهم، وما إلى ذلك. ولم يخلُ الأمر من ارتفاع كبير في قيم الشركات، التي تعود ملكية أغلبها لأكثر 10% ثراء بين الأميركيين. وفي الوقت نفسه، لم تسجل الأجور المتوسطة زيادة تُذكَر ــ وهو تغير دراماتيكي عن فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، عنما كانت زيادات الإنتاجية تؤدي إلى مكاسب مضطردة في الأجور.

اليوم، تُدار الشركات لتحقيق مصالح كبار المديرين وأعضاء مجالس الإدارة. وفي بعض الأحيان يحصل المستثمرون على خدمة جيدة، وإن كان الأمر لا يخلو من مناسبات كثيرة حيث يحصل المطلعون من الداخل على مزايا مفرطة من خلال منح أنفسهم تعويضات بالغة السخاء، أو الإفراط في خوض المجازفات، أو الانخراط في ممارسات أخرى أشد انحرافاً. والواقع أن إصرار لجان التعويض على الأداء المبهر، نسبة إلى معايير ذات صِلة، أصبح هزلياً.

هذا هو السياق الذي تقترح فيه إليزابيث وارين، عضو مجلس الشيوخ عن ولاية ماساتشوستس، قانون الرأسمالية المسؤولة الجديد. بموجب هذا القانون تحتاج الشركات البالغة الضخامة إلى الحصول على ميثاق فيدرالي «على النقيض من ترتيبات ميثاق الولايات الحالي»، والذي يشمل التزامات محددة ــ خاصة الحاجة إلى مراعاة مصالح كل أصحاب المصلحة في الشركات، بما في ذلك العمال. ولإضفاء مغزى حقيقي على هذا وتحسين الشفافية في عموم الأمر، ينبغي للموظفين العاديين «غير الإداريين» أن يحصلوا على بعض التمثيل في مجلس الإدارة. ويعمل مثل هذا الترتيب على خير ما يرام في ألمانيا، الدولة حيث يحظى العمال بمعاملة محترمة باستمرار.

كما تدعم السيناتور وارين اقتراحاً نشأ عن جون بوجل، مؤسس شركة فانجارد «شركة تدير صندوق استثمار مشترك»، والذي يتطلب دعم الأغلبية الساحقة من المساهمين والمديرين قبل أن تتمكن أي شركة ضخمة من الانخراط في النفقات السياسية.

الواقع أن النظرية القانونية التي تقوم عليها هذه المقترحات سليمة، وهي موضحة ومفصلة بشكل جيد في رسالة موقع عليها من قِبَل روبرت هوكيت من كلية كورنيل للحقوق وغيره من الشخصيات البارزة. تُمنَح الشركات الضخمة حقوقاً كبيرة، بما في ذلك المسؤولية المحدودة للمسؤولين التنفيذيين فرادى، وتسهيل عملية تجميع كميات ضخمة من رؤوس الأموال من أشخاص لا يعرفون بعضهم بعضاً بالضرورة «أو يروّجون للشركة»، في الأصل، كان الغرض يتلخص في تمكين القطاع الخاص من تنفيذ استثمارات ضخمة محفوفة بالمخاطر وتنطوي على تأثير محتمل أعرض، مثل بناء القنوات والسكك الحديدية.

المفترض أن الولايات المتحدة تقيد أنشطة الشركات الضخمة، حيث تقوم وزارة العدل باتخاذ الإجراءات الواجبة إذا اكتسبت الشركات سلطة احتكارية أو تصرفت بطريقة تضر بالمنافسة. وواقعياً، تراجع إنفاذ قانون مكافحة الاحتكار لمسافة كبيرة في السنوات الأخيرة، في ظل الإدارات الجمهورية والديمقراطية على حد سواء.

تقترح وارين إعادة النظر على نطاق أوسع كثيراً. فالشركات الكبرى تظل قادرة على تقديم أداءً طيباً، ولكنها يجب أن تخضع للمساءلة بطريقة أكثر شفافية. وسوف يجري تعديل حوافز المديرين، ولن تظل إدارة هذه الشركات تدور غالباً حول تحقيق مصالحهم المالية الخاصة. ولن يظل العمال يلقون معاملة بالغة السوء، بل وربما يبدأ المزيد من الناس في استعادة الثقة مرة أخرى في الحلم الأميركي المتمثل في تحقيق الرخاء للجميع.

إن شرعية الرأسمالية ــ الملكية الخاصة والاعتماد على آليات السوق ــ تتعزز بشكل عظيم في ظل قانون الرأسمالية الخاضعة للمساءلة. وعلى هذا، فسواء شئنا أو أبينا، سوف يكون هذا جزءاً أساسياً من الامتحان النهائي.

Ⅶأستاذ في مدرسة سلون للإدارة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا

طباعة Email
تعليقات

تعليقات