الحجة العلمية والتجارة الحرة

يبدو أن اشمئزاز الليبراليين من السياسات الأخيرة امتد إلى دفاع عنيد عن العولمة بقيادة السوق. فمن منظور الليبراليين، ترتبط التجارة الحرة في السلع والخدمات والانتقال الحر لرأس المال والعمالة ارتباطاً وثيقاً بالسياسة الليبرالية. ولا يمكن فصل النزوع إلى سياسات الحماية، لكن هذا ينطوي على سوء فهم بالغ الخطورة. ففي حقيقة الأمر، لا شيء قد يكون أشد تدميراً للسياسة الليبرالية من العداء غير المرن للحماية التجارية. والواقع أن ارتفاع «الديمقراطية غير الليبرالية» المفاجئ في الغرب كان في نهاية المطاف نتيجة مباشرة للخسائر التي تكبدها العمال الغربيون (بالقيمة المطلقة والنسبية) بسبب الملاحقة الدؤوبة للعولمة.

يستند الرأي الليبرالي حول هذه الأمور إلى معتقدين منتشرين على نطاق واسع: فالتجارة الحرة مفيدة لكل الشركاء (حيث تتفوق الدول التي تحتضنها على تلك التي تقيد الواردات وتحد من التواصل مع بقية العالَم)، وتشكل حرية تداول السلع وتصدير رأس المال جزءاً من دستور الحرية. يتجاهل غير الليبراليين عادة الأدلة الفكرية والتاريخية المهتزة على المعتقد الأول والضرر الذي يلحق بشرعية الحكومات السياسية نتيجة لالتزامها بالمعتقد الثاني.

كانت الدول تتاجر دوماً بين بعضها بعضاً، لأن الموارد الطبيعية ليست موزعة بالتساوي بين مختلف أنحاء العالَم. وقد تساءل آدم سميث: «هل يكون قانوناً معقولاً ذلك الذي يحظر استيراد جميع أنواع النبيذ الأجنبي، لمجرد تشجيع تصنيع الكلاريت والبورجوندي في اسكتلندا؟» تاريخيا، كانت الميزة المطلقة دوما ــأن تستورد الدولة ما لا يمكنها إنتاجه بنفسها، أو ما يمكنها إنتاجه ولكن بتكلفة باهظةــ الدافع الرئيسي للتجارة.

لكن الحجة العلمية لصالح التجارة الحرة تستند إلى عقيدة ديفيد ريكاردو الأكثر دقة وتعارضاً مع التوقعات البديهية حول الميزة النسبية. فمن الواضح أن الدول التي ليس لديها مستودعات من الفحم لا يمكنها أن تنتج الفحم. لكن على افتراض أن بعض الإنتاج لسلعة غير متوفرة بشكل طبيعي في حكم الممكن (مثل النبيذ في اسكتلندا)، فقد أثبت ريكاردو أن الرفاهة الكلية تزداد إذا تخصصت الدول التي لديها نقص مطلق في إنتاج السلع الأقل نقصا لديها.

الواقع أن نظرية الميزة النسبية عملت إلى حد كبير على توسيع النطاق المحتمل للتجارة المفيدة. لكنها تسببت أيضا في زيادة احتمالات تدمير الإنتاج المحلي الأقل كفاءة بفِعل الواردات. وكانت هذه الخسارة في إنتاج أي بلد موضع تجاهل استنادا إلى افتراض مفاده أن التجارة الحرة تعمل على تخصيص الموارد بشكل أكثر كفاءة ورفع الإنتاجية، وبالتالي زيادة معدل النمو «في الأمد البعيد».

لكن هذه ليست القصة كاملة. إذ كان ريكاردو يعتقد أيضاً أن الأرض، ورأس المال، والعمالة -ما يسميه أهل الاقتصاد «عوامل الإنتاج»- عوامل جوهرية لأي بلد ولا يمكن نقلها حول العالَم وكأنها سلع فعلية. وكما كتب ريكاردو:

«تثبت التجربة أن انعدام أمان رأس المال سواء لأسباب متخيلة أو حقيقية، عندما لا يكون تحت السيطرة المباشرة لصاحبه، جنبا إلى جنب مع النفور الطبيعي من اضطرار المرء إلى ترك بلد مولده وجماعته، وأن يعهد بنفسه، بكل عاداته الثابتة، لحكومة غريبة وقوانين جديدة، يتسبب في إيقاف هجرة رأس المال. وهذه المشاعر، التي ينبغي لي أن أشعر بالأسف عندما أراها تضعف، تحفز أغلب الناس من أصحاب الأملاك على أن يكونوا راضين بمعدل ربح منخفض في بلدهم، بدلاً من السعي إلى عمل أكثر ملاءمة لثروتهم في دول أجنبية».

وقد سَقَط هذا الحاجز التحوطي أمام تصدير رأس المال مع ظهور ظروف آمنة في أجزاء أكثر من العالَم. وفي عصرنا، أدت هجرة رأس المال إلى هجرة الوظائف، لأن نقل التكنولوجيا عمل على تمكين إعادة توطين الإنتاج المحلي في مواقع أجنبية - فضاعف بالتالي من إمكانية خسارة الوظائف.

يرى الخبير الاقتصادي توماس بالي إعادة توطين الإنتاج في الخارج باعتبارها سمة مميزة للمرحلة الحالية من العولمة. وهو يطلق عليها مسمى «اقتصاد الصنادل». إذ تطفو المصانع بين البلدان للاستفادة من التكاليف الأقل. وقد جرى تشييد بنية أساسية قانونية وسياسية لدعم الإنتاج في الخارج الذي يستورد بعد ذلك للدولة المصدرة لرأس المال. ويرى بالي عن حق في نقل الصناعة إل الخارج سياسة متعمدة تنتهجها الشركات المتعددة الجنسيات لإضعاف العمالة المحلية وتعزيز الأرباح.

تساعد قدرة الشركات على تخصيص الوظائف على مستوى العالَم في تغيير طبيعة المناقشة الدائرة حول «المكاسب من التجارة». وفي واقع الأمر، لم يعد هناك مكاسب «مضمونة» حتى في الأمد البعيد، لتلك البلدان التي تصدر التكنولوجيا والوظائف.

في نهاية حياته، اعترف بول صامويلسون، وهو عميد الاقتصاديين الأميركيين والمؤلف المشارك لنظرية ستولبر-صامويلسون الشهيرة في التجارة، بأن الدول مثل الصين إذا نجحت في الجمع بين التكنولوجيا الغربية وتكاليف العمالة المنخفضة، فإن التجارة معها من شأنها أن تؤدي إلى كساد الأجور الغربية. صحيح أن مواطني الغرب سوف يحصلون على سلع أرخص، لكن القدرة على شراء البقالة من وال-مارت بأسعار أقل بنحو 20% لا تعوض بالضرورة عن الخسارة في الأجور. ولا توجد «جرة ذهب» مضمونة عند نهاية نفق التجارة الحرة. حتى أن صامويلسون تساءل حول ما إذا كان «القليل من عدم الكفاءة» يستحق المعاناة لحماية أشياء كانت «تستحق القيام بها».

في عام 2016، أقرت مجلة الإيكونوميست بأن «التكاليف والفوائد القصيرة الأمد» الناجمة عن العولمة «أكثر توازنا مما تفترض الكتب الأكاديمية». في الفترة من 1991 إلى 2013، تزايدت حصة الصين في الصادرات الصناعية العالمية من 2.3% إلى 18.8%. وقد محيت تماما بعض فئات الإنتاج الصناعي الأميركي. وقد أكَّد المؤلفون أن الولايات المتحدة قد تكسب «في نهاية المطاف». لكن المكاسب ربما تستغرق «عقوداً من الزمن» قبل أن تتحقق، ولن يجري تقاسم هذه المكاسب بالتساوي.

وحتى خبراء الاقتصاد الذين يسلمون بالخسائر المصاحبة للعولمة يرفضون سياسات الحماية كإجابة. ولكن ما هو البديل لديهم؟ تتلخص العلاجات المفضلة في إبطاء العولمة، ومنح العمالة الوقت لإعادة اكتساب المهارات أو الانتقال إلى أنشطة أكثر إنتاجية. لكن هذا لن يفيد أولئك العالقين في منطقة حزام الصدأ أو المنقولين إلى وظائف أقل إنتاجية وأدنى أجراً.

ينبغي لليبراليين بكل تأكيد أن يمارسوا حقهم في النقد والهجوم، ولكن ينبغي لهم أن يمتنعوا عن انتقاد سياسات الحماية التي ينتهجها البعض إلى أن يصبح لديهم شيء أفضل يقدمونه.

 

ـــ عضو مجلس اللوردات البريطاني، وأستاذ الاقتصاد السياسي الفخري في جامعة وارويك

opinion@albayan.ae

تعليقات

تعليقات