الاقتصاد العالمي والحاجة إلى عمل مؤسساتي

صورة

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى منتصف العقد الأول من القرن 21، تطورت العولمة الاقتصادية بشكل سريع من خلال انتشار التجارة، وزيادة التدفق الرأسمالي والتواصل السريع (والمنخفض التكلفة)، وإلى حد ما، هجرة الأشخاص. ورغم أن هذه العوامل المرتبطة ببعضها البعض أصبحت أكثر عمقاً وأكثر عدداً، بقي الاقتصاد العالمي في الأساس مجموعة من الاقتصادات الوطنية، أدمج كل واحد في السياسات الوطنية. إن هذا يتغير الآن.

وفي الدول الديمقراطية التي أسست رأسمالية السوق التي تسيطر على العالم اليوم، من يحدد النظام الضريبي والنفقات العمومية وأطر العمل التنظيمية هي السلطة التشريعية ومن يفسرها هو النظام القانوني. وهذا يعطيها الطابع القانوني وكذا الأنشطة الاقتصادية التي تيسرها.

إلا أن هناك تحولاً: إذ بالنسبة للدول الصغيرة أو المتوسطة المساحة، تعتبر الأسواق العالمية أهم من الأسواق الوطنية، وسيحصل نفس الشيء بالنسبة للدول الكبيرة الحجم قريباً. وفي غضون أقل من 10 سنوات، ستكون الأسواق العالمية الكبرى هي من يوفر رؤوس الأموال والتمويل والعمالة الماهرة بدلاً من الأسواق الوطنية. وستصبح العديد من الشركات متعددة الجنسيات بالفعل وسيكون مقرها الرئيسي في مكان واحد (من المحتمل أن يكون المقر الرئيسي في مكان حيث يمكن من تخفيض الضرائب)، وستتم عمليات الإنتاج والبيع في مكان آخر، بينما سيتم استقدام المديرين والعمال من جميع أنحاء العالم.

ويدل ظهور رأسمالية عالمية مثل هذه - عملية بعيدة كل البعد من أن تكون كاملة - على أن الأسواق لن تدمج بعد هذا اليوم في السياسات أو الأنظمة التقنينية للعديد من الدول. وإذا أردنا أن تنتج الثمار المراد جنيها، سيكون علينا إدماجها أكثر في المؤسسات العالمية وتنظيمها بشكل أكثر فعالية من خلال نفس المؤسسات.

طبعاً، لقد كانت المؤسسات الاقتصادية الدولية ـ بما في ذلك صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والهيئات الاقتصادية التابعة للأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية موجودة من قبل ولطالما كانت منصات للدول الأعضاء لاعتماد القوانين المشتركة. وحصل صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية على الخصوص على سلطة تنظيمية فعلية إلى حد ما في الاقتصاد الشامل وفي السياسة التجارية على التوالي.

وقد تم تفادي السياسات الداخلية في بناء هذه المؤسسات ودعمها. ورغم أن الخزائن والبنوك المركزية ووزارات التجارة - خاصة في الدول المتقدمة - تدخلت سياسياً، كان ذلك بالكاد دون مناقشات رسمية. وحتى اليوم، يكاد يجهل المواطن العادي في الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا والهند ما تقوم به منظمة التجارة العالمية بالفعل، وبمعنى آخر، لم يدمج ظهور الأسواق العالمية في أية عملية سياسية تمنح الشرعية. وبالتالي فالمؤسسات المتعددة الأطراف تعتبر شعبوية لتصبح بالتالي مستهدفة سياسياً. وهذا يذكرنا بـ«العجز الديمقراطي» للاتحاد الأوروبي، مما أدى إلى مقاومة المزيد من الاندماج.

وفي الواقع، تشهد مقاومة الرأسمالية العالمية تدهوراً وارتفاعاً أيضاً. وخاصة أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يدعم ما يشبه القومية الحديثة «لنذهب لوحدنا». وفيما يتعلق بتعزيز البنيات المتعددة الأطراف، فإنه يرغب في تدميرها، وبالتالي فصل الأسواق العالمية عن المؤسسات التنظيمية التي دمجت فيها بشكل ضعيف أصلاً.

وفي نفس الوقت يأخذ الاتحاد الأوروبي الاتجاه المعاكس. فرغم التحديات التي يواجهها على المستوى الداخلي، فلايزال يحاول تنظيم الأسواق خارج حدوده. ففي غضون هذه السنة فقط، فرضت اللجنة الأوروبية غرامة مالية تفوق 5 بلايين يورو على شركة ألفا بيت، الشركة الأم لغوغل، وكالكوم على خلفية خرقهما لقوانين عدم الثقة. ونظراً لنظام حماية المعطيات العامة التابع له، سعى الاتحاد الأوروبي إلى فرض قوانين صارمة بخصوص استعمال المعطيات الشخصية ومشاركتها ومراقبتها.

ولأن الاتحاد الأوروبي لديه سوق كبيرة كهذه، سيكون لهذه العوامل تأثيراً بعيد المدى. ولكن عندما يتعلق الأمر بوضع قوانين دولية، فالاتحاد الأوروبي ليس في المستوى المطلوب. وهذا ما وقع فعلاً عندما قام أشخاص مثل ترامب للعمل ضد جهودها ودعم عدم التقنين في وقت يحتاج فيه ترابط الاقتصاد العالمي إلى العكس.

إن السماح بدخول شركات كبرى متعددة الأطراف، التي ما تنفك تجني أرباحاً طائلة وتحشد منافسين صغار خارج كل أشكال الصناعات لتفادي دفع الكثير من الضرائب ستحدث ضرراً بعيد المدى، ذلك عن طريق الزيادة من اللامساواة وإضعاف الميزانيات العمومية. وبالمثل، إن السبيل الوحيد لرسم خارطة طريق من أجل محاربة آثار تغير المناخ هو أن تعمل كل الدول سوياً.

إن واقع الاقتصاد العالمي اليوم يحتاج القيام بعمل مؤسساتي متعدد الأطراف. وهذا لا يعني فقط تعزيز سلطة المؤسسات القائمة - في هذه الحالة، يعتبر الإصلاح شرطاً أساسياً - بل حتى بناء مؤسسات جديدة، مثل سلطة المنافسة العالمية. لا شيء من هذا سيكون ممكناً دون مناقشة سياسية عالمية حقيقية.

إن ظهور السياسات العالمية سيكون له آثار بعيدة المدى في المستقبل على الأفكار التقليدية المتعلقة بالديمقراطية، هذا دون ذكر السيادة الوطنية. وفي نفس الوقت، مع ذلك، سيؤدي السماح للأسواق العالمية بالعمل دون قوانين معتمدة، تحددها المؤسسات الدولية الفعالة والتشريعية، إلى ترك جوهر الديمقراطية.

ولقد وصف الخبير الاقتصادي في هافارد داني رودريك إلى التحدي المستقبلي على شكل ثلاثي: إذ عندما يتعلق الأمر بالديمقراطية والسيادة الوطنية والعولمة، يمكن أن يكون لدينا اثنان فقط من هذه التشكيلة الثلاثية. ويدعم رودريك العولمة أكثر من الديمقراطية. ويفضل القوميون مثل ترامب تعزيز الدولة القومية بطريقة تمكن من إضعاف الديمقراطية والعولمة، على الأقل على المدى البعيد.

إلا انه على المدى المتوسط،، يبدو أن ارتفاع مستوى العولمة أمر لا يمكن تفاديه، أي أن من يجب أن يخضع للقيود هي الدولة القومية والسياسات الوطنية. والسبيل الوحيد لإعطاء الشرعية للسياسات العالمية الجديدة هي ضمان أن تكون مبررة. وهذا سيتطلب من القادة السياسيين المحليين اعتماد طريقة لتفسير كيف تؤثر المشكلات العالمية على مقوماتهم. وأنجح مثال على السياسات العالمية التي أصبحت محلية هو تغير المناخ.

وكيفما كانت الترتيبات المؤسساتية لضمان أن السياسات العالمية الجديدة تعزز بدلاً من أن تضعف، تبقى الديمقراطية التحدي السياسي الرئيسي للقرن الواحد والعشرين. ولا يمكننا إنكار ذلك بعد اليوم.

كمال ديرفيس* وزير الشؤون الاقتصادية لتركيا سابقاً ومدير برنامج الأمم المتحدة للتنمية ويشغل منصب زميل رفيع المستوى في مؤسسة بروكينز.

كارولاين كونروي *تشغل منصب محللة البحوث في مؤسسة بروكينز.

 

 

تعليقات

تعليقات