البرازيل وانتخابات أكتوبر المقبل

صورة

يتوجه البرازيليون إلى صناديق الاقتراع في أكتوبر المقبل للمشاركة في انتخابات عامة بالغة الأهمية. ولكن في الوقت الحالي، تبدو البرازيل غير راغبة في التخلص من عادتها الشعبوية. بل على العكس من ذلك، لم تكن الشعبوية في أي وقت مضى أقوى من حالها اليوم.

ففي عام 1994، ثم في عام 1998، اختار البرازيليون فرناندو إنيركي كاردوسو رئيسا لهم، الذي نجح في تخليص البلاد من التضخم المفرط، وأصلح مؤسسات الدولة، ووضع البرازيل على المسار إلى حكم مستقر وديمقراطي. ومع ذلك، في كل انتخابات عامة منذ ذلك الحين، أعيد الشعبويون إلى السلطة.

ولم تنته فترة الهيمنة هذه إلا بعد عزل الرئيسة ديلما روسيف وإقصائها من منصبها في عام 2016، في أعقاب ادعاءات بأنها تلاعبت بالميزانية الفيدرالية لإخفاء المشاكل الاقتصادية. ثم في شهر إبريل من عام 2018، ألقي القبض على سلفها ومرشدها لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، بسبب تورطه في قضية غسيل السيارات.

وما يدعو إلى الدهشة أن هذه التجاوزات لم تضر بالحصيلة الحالية من المرشحين الشعبويين. وتُظهِر استطلاعات الرأي أن لولا دا سيلفا، الذي لا يزال سجينا، هو الذي يتقدم السباق، ويليه عضو الكونغرس ضابط الجيش السابق، جاير بولسونارو، الذي يقترح حلولا غير متقنة -ورديئة غالبا- لمشاكل البرازيل المعقدة. «يتمثل أحد اقتراحات بولسونارو الأكثر فظاعة في إعطاء الناس أسلحة نارية لمحاربة العنف».

المرشح الإصلاحي الوحيد الذي قد يحظى بأي فرصة للفوز هو جيرالدو ألكمين، حاكم ساو بالو السابق، الذي تعهد بخفض الإنفاق، وفتح الاقتصاد، وخصخصة الشركات المملوكة للدولة، وتنظيف الغابة القانونية والتنظيمية الفوضوية التي منعت الاستثمار في البنية الأساسية الحيوية مثل المطارات والطرق والسكك الحديدية.

وفي ظل منصة على غرار منصة تشرشل، والتي تقوم على «الكدح، والدموع، والعرق»، فإنه لن يتردد في تنفيذ الإصلاحات المؤلمة التي تحتاج البرازيل إليها بشدة ــ مثل إصلاح نظام التقاعد، وتبسيط قانون الضرائب، وإعادة المساءلة إلى العملية السياسية.

غني عن القول: ليس كل أفكار ألكمين تجد القبول لدى جمهور انتخابي أدمن الفوائد والامتيازات الاجتماعية والوظائف العاطلة التي تقدمها الدولة. لكن ألكمين يعتقد أن الناس سوف يحتكمون إلى صوت العقل في أكتوبر ويختارون رئيسا يتمتع بالخبرة، والكفاءة، والشخصية الأخلاقية اللازمة لتوجيه البلاد خلال عودتها إلى الرخاء والازدهار. وهو كثيرا ما يستشهد بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كمثال لقائد فاز بفضل نقل الحقيقة إلى الناخبين.

هناك بكل تأكيد أولئك الذين يشاركون ألكمين حسه البراغماتي، لكن الناخبين في البرازيل يميلون إلى الجانب الآخر. فمن خلال وعد «التغيير» وإلقاء اللوم على كبش الفداء المعتاد، كان المرشحون الشعبويون يستغلون غضب الناس إزاء الفساد، والعنف، والبطالة، والأجور المنخفضة.

ومن منظور بولسونارو لم يكن الطريق إلى الأمام يمر عبر تخفيف القوانين التي تقيد حمل السلاح فحسب، بل وأيضا إدخال قوانين أخلاقية شبه عسكرية وتطهير المدارس من «الأفكار اليسارية».

ولم يكن المرشحون الآخرون أقل انقساما. فقد تسبب سيرو غوميز، حاكم ولاية سييرا السابق، في إفزاع مجتمع الأعمال عندما أشار إلى أنه يعتزم إعادة فرض ضريبة لا تحظى بأي تأييد شعبي على المعاملات المالية، وإلغاء قانون العمل الذي حاز الموافقة أخيرا والذي ساعد في خفض المسؤوليات على الشركات التي تفصل العمال. ويقول لولا دا سيلفا ببساطة إن عودته -إذا سُمِح له بخوض الانتخابات- كفيلة بتحقيق ذلك النوع من خلق الوظائف والنمو الذي صاحب ولايته السابقة.

أما المرأة الوحيدة في السباق الرئاسي، وهي مارينا سيلفا، فهي ناشطة بيئية وعضو سابق في مجلس الشيوخ، التي سعت إلى فرض نفسها كبديل للمرشحين الشعبويين وألكمين الذي ينتمي إلى يمين الوسط. ولكن في ظل منصة خاصة خالية من التفاصيل إلى حد كبير، يصبح من الصعب تصور كيف يمكنها تنفيذ الإصلاحات غير الشعبية التي يتعين على الرئيس القادم أن يتعهد بها.

سوف تحدد انتخابات أكتوبر مسار البرازيل في العقد المقبل. والسؤال الآن هو ما إذا كان البرازيليون سيصوتون بأحاسيسهم أو بعقولهم. فالتصويت اعتمادا على الأحاسيس الداخلية من شأنه أن يعمق الاضطرابات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في البرازيل، مع تسبب قبضة الشعبوية في تحويل الدولة المريضة بالفعل إلى مريض لا أمل في شفائه.

يبدو أن الدولة صاحبة أكبر اقتصاد في أميركا اللاتينية تمر بأزمة سياسية مطولة، وهي الأزمة التي تفاقمت بفِعل فِتنة الشعبوية. فمثلها كمثل العقار المخدر، اجتذبت الشعبوية البرازيليين بوعود خيالية حول مستويات معيشية أعلى ورفاهة محسنة. ولكن على مدار ستة عشر عاما، اجتازت البلاد نحو معدلات بطالة مرتفعة إلى حد غير مسبوق، ومستويات عجز في الميزانية ارتفعت إلى عنان السماء، وعودة الملايين من السكان إلى الفقر، فضلا عن أسوأ ركود اقتصادي في قرن كامل من الزمن.

كما ترك الشعبويون إرثا من الفساد. فقد كشفت فضيحة «العملية غسيل السيارات» عن مجموعة ضخمة من الساسة غير المستقيمين ، وموظفي الخدمة المدنية المجرمين، وقادة أعمال مشبوهين -وكل منهم أثرى نفسه بطرق متعددة .قد يفترض المرء أن البرازيليين، بعد تحمل الكثير من المحطات، لا بد أن يكونوا متحمسين للتغيير الآن.

إذا تغلب العقل، فسوف يتمكن البرازيليون من تحقيق الازدهار مرة أخرى. وسوف تعمل الإصلاحات على تعزيز الاقتصاد، في حين يعرض الاستقرار السياسي والحكم الفعّال -ترياق الوعكة الديمقراطيةـ بديلا قابلا للتطبيق للشعبوية. والواقع أن ألكمين على صواب: إذ تُعَد محاكاة إعادة تشكيل السياسة في فرنسا خيارا أفضل من العودة إلى الماضي. ولا يملك المرء إلا أن يأمل أن يوافق البرازيليون على هذا الخيار.

 

لويس فيليبي دافيلا -  مؤسِّس مركز البرازيل للقيادة العامة

تعليقات

تعليقات