صوت الإجماع في غرف الأوساط الأكاديمية

صورة

إن الحرية الأكاديمية هي بضاعة ثمينة وهي حيوية للتأكد من أن اكتشاف الحقيقة لا يتعرض للإعاقة بسبب قوى سياسية أو أيديولوجية، ولكن هذا لا يعني أن على المفكرين أن يختبئوا في مخابئ أكاديمية والتي من خلال حمايتنا من الانتقاد من «غير الخبراء» تسمح لحب الذات بالازدهار وتسمح بالتركيز على أسئلة ليست ذات علاقة بأي شخص آخر. يتوجب علينا نحن الخبراء أن نعمل على توضيح مواقفنا وآرائنا.

إن هذا يعني أولاً وأخيراً أن على الباحثين توصيل نتائجهم بطريقة تدعم المساءلة وتؤكد بأن الأموال العامة والمخصصات التعليمية يتم استخدامها بطرق تخدم مصالح دافعي الضرائب. إن واجب توصيل النتائج يعني أنه يجب التحقق كذلك من أن تلك المعلومات وصلت للعامة وهذا لا يقتصر على الموضوع فقط بل أيضاً على طريقة البحث.

إن الكتب والدوريات العلمية عادة ما تعطي الانطباع بأنه قد تم التوصل للحقيقة من خلال عملية مرتبة ومنظمة ومنطقية ولكن البحث هو أبعد ما يكون عن الطبيعة البكر، ففي واقع الأمر هو يشبه أرض معركة تتناثر فيها الحسابات الخاطئة والتجارب الفاشلة والافتراضات المهملة، فالطريق للحقيقة عادة ما يكون معقداً وأولئك الذين يذهبون في تلك الطريق عادة ما يحاولون تلمس طريقهم في خضم المنافسة الشديدة والمؤامرات المهنية.

البعض يجادلون بأن من الأفضل إخفاء تلك الحقيقة عن العامة من اجل المحافظة على المصداقية، فعلى سبيل المثال في سنة 2014 اعتقد الفيزيائيون الذين كانوا يشتغلون معاً على مشروع يدعى بي اي سي ي بي 2 بأنهم اكتشفوا أمواجاً مغناطيسية من بداية الكون ولكنهم أدركوا لاحقاً بأن الإشارة التي اكتشفوها يمكن أن تكون مرتبطة بشكل كامل بالغبار بين النجوم.

لقد شعر بعض زملائي بالقلق من أن هذا الاكتشاف سيقوض الإيمان بتوقعات علمية أخرى مثل تلك المرتبطة بالتغير المناخي ولكن هل إخفاء الحقيقة عن العامة سيكون مفيداً أكثر للمصداقية العلمية والأكاديمية مقارنة بتعزيز ثقافة الشفافية؟ ربما الجواب هو لا وفي واقع الأمر فإن الصدق فيما يتعلق بوقائع البحث يمكن أن يعزز من الثقة ويخلق مجالاً أكبر للإبداع، حيث يقبل الناس المطلعون بأن المخاطر هي التكلفة التي لا يمكن تجنبها والمستحقة لاكتشافات رائدة ومفيدة على نطاق واسع.

إن من الطرق الأخرى للتحقق من استمرار الأوساط الأكاديمية بالابتكار بطرق مفيدة وذات علاقة هي طريقة تتمثل في طمس الحدود التقليدية بين التخصصات - وهي الحدود التي عادة ما يجري فيها الابتكار وعليه يتوجب على الجامعات تحديث هياكلها التنظيمية والابتعاد عن الدوائر المقسمة بشكل واضح من اجل خلق نوع من التواصل بين الفنون والإنسانيات والعلوم، كما يجب تشجيع الطلاب على أخذ الدورات في التخصصات المتعددة، وذلك حتى يتسنى لهم وضع تلك الدروس والتجارب ضمن أنماط جديدة من المعرفة.

حتى نجعل من هذه العملية مستدامة، يتوجب على الجامعات أن تتحقق من أن الدورات والمناهج التي تقدمها تساعد الطلاب على تنمية المهارات التي يتطلبها سوق عمل يتغير بسرعة، وهذا يعني ليس فقط عمل مناهج جديدة اليوم ولكن أيضا تطويرها كل بضع سنوات من اجل التعامل مع توجهات واكتشافات جديدة في مجالات تتراوح من الذكاء الاصطناعي والبيانات الكبيرة إلى مصادر الطاقة البديلة وهندسة الجينوم.

يتوجب على الأساتذة الجامعيين بدورهم أن ينظروا لوظائفهم كمرشدين للقادة المستقبليين في العلوم والتقنية والفنون والإنسانيات عوضاً عن محاولة جعل الطلبة صورة طبق الأصل عنهم من الناحية الفكرية وبالطبع فإن المقاربة الأخيرة يمكن أن تكون مفيدة لو كان الهدف هو تعزيز شعبية برنامج بحثي معين من اجل التحقق من أن أفكار ذلك البحث ورؤيته سوف تبقى ولكن ليست هذه هي المهمة الأساسية للأوساط الأكاديمية.

كلما زاد علو صوت الإجماع في غرف صدى الصوت الخاصة بالأوساط الأكاديمية تعزز حب الذات والشعور بالأنا لأولئك الذين يعيشون في تلك الغرف، ولكن التاريخ يظهر بأن التقدم أحياناً يحصل من خلال صوت هامس في الخلف مثل ذلك الصوت الخاص بألبرت اينشتاين خلال حياته المهنية المبكرة، فالحقيقة لا تعكس بالضرورة الإجماع والعكس صحيح، فتنوع الآراء- والذي يدل على تنوع العرق والخلفية - هو حيوي من اجل دعم الإبداع والاكتشاف والتقدم.

ولهذا السبب فإن من المهم للغاية ألا يتم استخدام الجوائز والجمعيات المهنية لتعزيز وجهات النظر السائدة، بل استخدامها لتشجيع الفكر المستقل ومكافأة الابتكار، وهذا لا يعني اعتبار كل الآراء متساوية بل إشباع الآراء البديلة نقاشاً وبحثاً على أساس الحالة الموضوعية فقط.

نحن في الأوساط الأكاديمية لا نستطيع الاستمرار في تهنئة أنفسنا والاحتفال بامتيازاتنا والفشل في النظر للعالم بأساليب جديدة وذات علاقة، ولو أردنا الدفاع عن تجربتنا، يتوجب علينا استعادة الحوار مع الناس على نطاق واسع والتحقق من أن ملاءمة عملنا مفهوم بشكل عام بما في ذلك من قبلنا.

* رئيس دائرة الفلك في جامعة هارفارد والمدير المؤسس لمبادرة الثقب الأسود في هارفارد ومدير معهد النظرية والحساب ضمن مركز هارفارد- سميثسونيات للفيزياء الفلكية.

Ⅶإبراهام لويب*

تعليقات

تعليقات