الصين والتكنولوجيات الرقمية

تكمن أهمية دكتاتورية البيانات الكبيرة في كونها تعتمد أقل على التهديدات المباشرة والعقاب العام، وأكثر على التأثير على وجهات نظر الناس وسلوكاتهم. وكل وقت يقضيه المواطنون الصينيون على شبكة الإنترنت، تستغله الحكومة للتحكم في ما يرونه ويفعلونه على النت.

كما أن التقنيات الرقمية ستسمح للحكومة بالاستجابة بسرعة أكبر للاستياء العام، أو التخلص منه تماماً إذا تمكنت من التعرف على التغيرات في الرأي العام أو التنبؤ بها. وبالنظر إلى أن العديد من الديكتاتوريات تنهار نتيجة لسوء المعلومات، يمكن أن تصبح التكنولوجيات الرقمية أكثر وقائية ضد اتخاذ القرارات السيئة، أفضل من الحد الأقصى للفترة الرئاسية.

إذا كان هناك شيء واحد يمكن للعلماء السياسيين والاقتصاديين والتكنولوجيين الاتفاق عليه، فهو بناء الرئيس شي لأقوى نظام مراقبة تدخلي في التاريخ. ويبقى أن نرى ما إذا كان نهجه في «صنع الصين مرة أخرى» سيعزز سلطته أو سيتحول إلى ضعف قاتل. ولكن مع قيام الصين بدور أكبر من أي وقت مضى في الاقتصاد العالمي من خلال استثماراتها ومشاريع البنية التحتية، سيصل صداع ما يحدث هناك إلى كل مكان، ولسنوات قادمة، وهذا يعني أن شي ربما قد يصبح «رئيس كل شيء إلى الأبد» على كل حال.

والواقع أن الانفتاح الذي أعقب عام 1979 سمح في كثير من الأحيان بمعركة حقيقية للأفكار، لا سيما بين رابطة الشباب الشيوعي المحافظ والنخب الساحلية التي تفضل المزيد من التحرير الاقتصادي، وقد تظل الصين مجتمعاً منغلقاً من نواح كثيرة، ولكن كبار صناع القرار لديهم استعداد منفتح للتجربة والتعلم من خلال التجربة والخطأ.

وفي الوقت نفسه، يشعر العديد من الاقتصاديين بقلق أقل بشأن السلطة التنفيذية المفرطة، لأنهم يعتقدون أنه من الأخطر أن تكون هناك حكومة ضعيفة جدا لا تستطيع إصلاح النموذج الاقتصادي للبلد عند الحاجة. ومن بين التحديات الاقتصادية الحالية للحكومة تباطؤ النمو، وتصاعد الديون -وخاصة بين الشركات المملوكة للدولة- والمصالح الراسخة التي تقف في طريق الإصلاحات الهيكلية.

ويعترف معظم الاقتصاديين بأن نموذج القيادة الجماعية قد حال دون وقوع الكوارث. لكنهم سيجادلون بأن ذلك قد أعاق الإصلاح أيضا، وسمح للحزب الشيوعي الصيني بأن يصبح حزباً ينخره الفساد والمحسوبية، ومجرداً من الأهداف الإيديولوجية.

وفي نهاية رئاسة هو جينتاو التي استمرت لفترتين رئاسيتين في عام 2013، خشي الكثيرون من أن نموذج القيادة الجماعية لم يكن كافياً لمواجهة المصالح الاقتصادية المكتسبة، ومعالجة عدم المساواة، وتقديم الخدمات العامة الأساسية. وفي الواقع، في وقت مبكر من عام 2007، توصل رئيس مجلس الدولة الصيني هو جين تاو إلى أن المسار الاقتصادي للصين «غير مستقر وغير متوازن وغير منسق وغير مستدام».

وعلى النقيض من ذلك، يجادل الاقتصاديون بأن شي بدأ في تحويل الأمور من خلال المعركة من أجل «حزب أنظف». وسجنت حملته الضخمة لمكافحة الفساد الآلاف من مسؤولي الحزب على جميع المستويات، وأعادت تأسيس ركائز الحزب الشيوعي الصيني. ويعترف الاقتصاديون بأن حملة شي قد أزاحت أيضا العديد من منافسيه المحتملين. لكنهم سيجادلون بأن موقفه المعزز يسمح له الآن استبدال نموذج النمو القائم على الديون الممولة من الائتمان بشيء أكثر استدامة. وبطبيعة الحال، سيظهر المستقبل ما إذا كانوا على حق أم لا.

على الرغم من نجاح شي في توطيد سلطته وتمديد قبضته على السلطة إلى أجل غير مسمى، هناك سبب للشك في أنه سيكون على استعداد ليخاطر بنموذج اقتصادي جديد إذا ثبت أن الاستدامة تتنافى مع الحفاظ على النمو السريع.

أما التكنولوجيون فيقدمون طرقاً جديدة لتصحيح أو تجنب الأخطاء المحتملة. بالإضافة إلى استبدال نموذج القيادة الجماعية بنهج يتمحور حول شخصية المرشد الأعلى، حيث قام الرئيس شي بتوطيد دولة المراقبة بشكل كبير، بدأت الحكومة تستخدم بشكل متزايد القنوات الفضائية والبيانات الكبرى، والذكاء الاصطناعي لدراسة سلوك المواطنين الصينيين، آمالهم، ومخاوفهم، بحيث يمكنها التصدي للمعارضة وللتحديات لسلطتها.

وعلاوة على ذلك، أنشأت الحكومة، تحت حكم الرئيس شي، قواعد بيانات «الائتمان الاجتماعي» على الإنترنت، ما يشير إلى أنه يمكن في نهاية المطاف تسجيل علامة واحدة لجميع المواطنين الصينيين، تشمل التصنيفات الائتمانية والسلوكات على شبكة الإنترنت والسجلات الصحية والتعبيرات عن الولاء للحزب وغير ذلك من المعلومات.

يبدو أن قرار الحزب الشيوعي الصيني إلغاء الحد الأقصى الذي حدده الدستور للرئاسة بولايتين سوف يفسح المجال أمام شي جينبينغ ليس فقط ليكون «رئيساً لكل شئ» بل ليصبح أيضا «رئيساً إلى الأبد». ولكنه زاد من حدة الجدل الدائر حالياً بين خبراء الصين حول احتمال أن تشكل سلطة تنفيذية قوية أكثر من اللازم، أم قليلة جداً، أكبر تهديد للصين. يختلف الجواب على هذا السؤال إلى حد كبير في أوساط علماء السياسة والاقتصاد وخبراء التكنولوجيا. فالعديد من علماء السياسة وعلماء القانون، على سبيل المثال، يشككون في هذا التغيير، لأنهم يعتبرون أن نموذج القيادة الجماعية التي شكلها الحزب الشيوعي الصيني بعد عام 1979 يُعد من أكبر نجاحاته. وقد وفر الحد الأقصى في هذا النموذج، والنظام الجماعي لصنع القرار على مستوى رفيع، وفر الضمانات اللازمة لمنع تكرار الكوارث التي حدثت في عهد ماو مثل القفزة الكبرى إلى الأمام والثورة الثقافية.

 

 مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية

opinion@albayan.ae

تعليقات

تعليقات