مرونة الاقتصاد العالمي

تمر اقتصادات العالم الكبرى اليوم بحالة من التعافي المطرد، رغم الانتكاسات العارضة. ولا شك أن الأداء الاقتصادي لايزال بعيداً عن الوصول لكامل إمكاناته: فأينما وجه المرء ناظريه، قد يجد فجوات في الناتج، واستدانة مفرطة، وميزانيات عمومية هشة، ونقص في الاستثمارات، والتزامات غير ممولة أطول أجلا غير مرتبطة بالديون. لكن مع كل هذا، لا تبدي أسواق المال أي أعراض تدل على الاضطراب، حتى مع سحب التحفيز النقدي تدريجياً.

لكن في الوقت ذاته، تبدو الأحوال السياسية آخذة في التدهور. فقد اشتد الاستقطاب وتزايد، ويرجع السبب في ذلك جزئياً إلى المقاومة المتزايدة للعولمة وأنماط النمو غير المتوازنة الناتجة عن هذه المقاومة. ومثال ذلك ما ذكره تقرير مركز بيو للأبحاث في الولايات المتحدة، حيث أكد أن الناس لا يختلفون بشدة مع أبناء جلدتهم الموجودين على الجانب الآخر من الجزيرة فحسب، بل إنهم لا يحبونهم أو لا يحترمونهم. وعليه فقد انتهى القادة في أوروبا، وكذلك في عدد من دول الاقتصادات الناشئة، إلى نتيجة مفادها أن بريطانيا والولايات المتحدة حليفان وشريكان تجاريان متقلبان ولا يمكن الاعتماد عليهما. وقررت دول آسيا، وفي مقدمتها الصين، أن تمضي في طريقها الخاص. والآن يبدو التعاون الدولي حول قضايا الاقتصاد والأمن ــ وهو أمر لم يكن أبدا سهلا ــ في طريقه للتفكك والانهيار.

وفي ظل ظروف كهذه، تبدو مرونة الاقتصاد العالمي ــ حتى الآن على الأقل ــ الأمر الأبرز والأغرب (رغم استحالة التنبؤ بطريقة أداء الاقتصاد في بيئة سياسية أكثر استقرارا). حقيقة هناك تفسيرات عدة محتملة (ولا يستبعد بعضها بعضا) لهذا الوضع الذي يتعارض مع البديهة.

* أستاذ اقتصاد في كلية ستيرن لإدارة الأعمال في جامعة نيويورك

طباعة Email
تعليقات

تعليقات