الخطاب الاشتراكي والنزعة الشركاتية

صورة

عندما تسببت حكومة الولايات المتحدة مؤخراً في إحداث ضجة من خلال ادعائها أن ممارسات النفوذ والتنفيذ التعسفي للقانون يدفع المستثمرين الأجانب بعيداً عن نيكاراغوا، سارع خوسيه أدان أجويري، رئيس منظمة الأعمال الرائدة «كوسيب»، إلى الدفاع عن الحكومة. فزعم أجويري أنه إذا زودته السفارة الأميركية بقائمة بأسماء الشركات الأجنبية التي تواجه عقبات، فسيعمل شخصياً على ضمان حل مشاكلها.

ففي وسط مدينة ماناجوا عاصمة نيكاراغوا، هناك متنزه يحمل اسم سلفادور الليندي، الرئيس الاشتراكي التشيلي المخلوع في انقلاب عسكري عام 1973، وتمثال مبهرج لرجل فنزويلا القوي هوغو شافيز، تميل درجات ألوانه إلى الاصفرار فتجعله أشبه ببارت سيمبسون. وإذا قلنا إن حقوق الملكية في نيكاراغوا ليست آمنة تماما فإن هذا لا يعبر بشكل دقيق عن جسامة الأمر. فالسلطة القضائية لا تبتعد كثيرا عن رغبات الرئيس دانييل أورتيغا، ويُنظَر إلى الإدارة العامة على نطاق واسع على أنها فاسدة.

احتلت نيكاراغوا في عام 2015، المرتبة الثامنة والعشرين على مؤشر البنك الدولي لسيادة القانون، أي أن 72% من الدول كان أداؤها أفضل. وعلى مؤشر السيطرة على الفساد، جاء أداء نيكاراغوا أسوأ، في المرتبة التاسعة عشرة.

ورغم ذلك، مع السيطرة على التضخم ونمو الاقتصاد بمعدل ثابت من 4% إلى 5% في السنوات الأخيرة، يبدو القطاع الخاص سعيدا. وتشير وفرة الرافعات في ماناجوا العاصمة إلى طفرة في تشييد البنايات التجارية.

فمنذ استعاد أورتيغا الرئاسة في عام 2007 (ترك منصبه في عام 1990 بعد أن خسر الانتخابات لصالح فيوليتا باريوس دي تشامورو، كما خسر الانتخابات الرئاسية في عام 1996 ثم في عام 2001)، كان نظامه يتحرك بثبات نحو الاستبداد.

وفي عام 2009، سمحت له المحكمة العليا التي شغل مقاعدها بحلفائه بالتحايل على الحدود الخاصة بمدد الرئاسة، وخاض الانتخابات الرئاسية مرة أخرى. ومنذ ذلك الحين، منحته الجمعية الوطنية، التي يهيمن عليها أورتيغا، الحق في الترشح لعدد غير محدد من الفترات. وقبل الانتخابات الوطنية في نوفمبر، جاملته المحكمة العليا مرة أخرى، بمنع زعيم المعارضة الرئيسي إدواردو مونتيليغري من المشاركة.

ثم أعيد انتخاب أورتيغا بحصوله على 72% من الأصوات. ولا أحد يستطيع أن يجزم بحجم الإقبال على صناديق الاقتراع (الأرقام الرسمية غير جديرة بالثقة)، ولكن تقديرات مراقبين مستقلين تشير إلى أن ثلثي الناخبين لزموا بيوتهم.

الواقع أن النزعات الاستبدادية للنظام لم تمر دون أن ينتبه إليها أحد على المستوى الدولي. فالآن، يدرس الكونغرس الأميركي مشروع قانون يفرض عقوبات على نيكاراغوا إذا لم يتحرك أورتيغا لاستعادة الحريات الديمقراطية ووقف الفساد. وفي حالة استنان هذا القانون، فسوف تصدر التعليمات إلى النواب الأميركيين بالتصويت ضد أي قروض لنيكاراغوا من كل الجهات المقرضة المتعددة الأطراف، وسوف تضطر الحكومة الأميركية إلى جمع ونشر قائمة بالمسؤولين الفاسدين في نيكاراغوا، فالجمع بين الخطاب الاشتراكي والنزعة الشركاتية المحابية لأهل المال والأعمال أمر جديد على أميركا اللاتينية غالبا. فقد شهدنا بعض ذلك في الإكوادور في عهد الرئيس رافاييل كوريا، الذي تنحى مؤخرا بعد ثلاث ولايات في منصبه. ولكن ينبغي للمرء أن يتحول باتجاه آسيا - فيتنام والصين على سبيل المثال - لكي يجد تركيبة مماثلة.

بيد أن نموذج أورتيغا يبدو أقل استدامة من نموذج الاشتراكيين المفترضين في آسيا. فقد أقامت فيتنام نموها على التصنيع السريع، الذي بات ممكنا بفضل الاندماج في سلسلة القيمة الإقليمية المتمركزة في الصين. ولم يحدث أي شيء من هذا القبيل في نيكاراغوا، التي تظل معتمدة على الصادرات القائمة على الموارد الطبيعية: لحوم الأبقار، والسكر، والبن، وقليل من التعدين.

ولم توفر اتفاقية التجارة الحرة بين جمهورية الدومينيكان وأميركا الوسطى سوى دَفعة دامت أسبوعا واحدا للصادرات الجديدة. وعلى النقيض من كوستاريكا، لا تملك نيكاراغوا صناعة تكنولوجية فائقة. أما أنشطة التجميع وإعادة التصدير فهي أكثر ضآلة مما هي عليه في السلفادور أو جمهورية الدومينيكان، ناهيك عن المكسيك. وفي أطلس التعقيد الاقتصادي الذي جمعه باحثون من كلية كينيدي في جامعة هارفارد، تحتل نيكاراغوا المرتبة 106 بين 124 دولة.

وهذا أحد الأسباب التي تدعو إلى التشكك في استدامة النمو الاقتصادي الذي شهدته نيكاراغوا مؤخرا. ويتمثل سبب آخر في اختفاء المعونات الفنزويلية. لا أحد يستطيع أن يجزم بمقدار الأموال التي ضخها النظام الفنزويلي إلى نيكاراغوا، ولكن ربما نسمع تقديرات من مصادر حسنة السمعة تبلغ نحو 500 مليون دولار سنويا لمدة تقرب من عشر سنوات، وهذا مبلغ كبير من المال في دولة ناتجها المحلي الإجمالي لا يكاد يتجاوز 13 مليار دولار.

وقد سمح لأورتيغا بتحفيز الاقتصاد وفي الوقت نفسه شراء الدعم من جماهير انتخابية رئيسية. ولكن في ظل السقوط الحر الذي يشهده اقتصاد فنزويلا اليوم، وانزلاق البلاد إلى الفوضى السياسية، انتهى هذا السخاء.

يرجع قسم كبير من النمو الاقتصادي في نيكاراغوا مؤخرا إلى ظاهرة مألوفة لدى فيتنام: فالدول المنخفضة الدخل التي تحقق قدرا متواضعا من استقرار الاقتصاد الكلي تشهد غالبا طفرة في النمو. وفي الاقتصادات المتخلفة نسبيا، حيث «لم يُفعَل أي شيء بعد»، من السهل رصد الفرص الاستثمارية المربحة في وقت مبكر.

ولكن قانون تناقص العائدات يتدخل في نهاية المطاف. فبمجرد ترسخ أساسيات الاقتصاد الاستهلاكي، يتطلب الحفاظ على العوائد المرتفعة تطوير منتجات جديدة، وبناء قطاعات جديدة، واختراق أسواق جديدة.

وقد تبين مدى صعوبة القيام بهذا الأمر حتى في دول أميركا اللاتينية، مثل تشيلي، التي تتمتع بمؤسسات قوية وسيادة القانون. وسوف يكون الأمر أشد صعوبة في دولة مثل نيكاراغوا، التي تفتقر نسبيا إلى رأس المال البشري والتي يحكمها ما أسماه جيمس روبنسون من جامعة شيكاغو ودارون أسيموغلو مؤسسات سياسية واقتصادية إقصائية.

وعلى هذا فإن التباطؤ الاقتصادي قادم عاجلا وليس آجلا في الأرجح. وعند هذه النقطة، سوف يشعر قادة المال والأعمال المحليون بقدر أقل من الفخر في علاقتهم الدافئة مع الحكومة. وسوف تجد الحكومة صعوبة أكبر كثيراً في محاولة تأمين حالة من السكون بين السكان المتوترين. ومن المؤكد عند هذه النقطة أن تحقيق المزيد من الانتصارات السياسية لأورتيغا وزوجته روزاريو موريلو نائبة الرئيس سوف يتطلب بالفعل نِعمة من الله وفضله.

* أستاذ الممارسة المهنية في التنمية الدولية في جامعة كولومبيا

طباعة Email
تعليقات

تعليقات