منذ القدم ساد في المجتمع الإماراتي والخليجي، ما يسمى في اللهجة المحلية «ماء السبيل»، حيث تمثل الأسبلة فرعاً من أفرع العمائر المدنية في العمارة الإسلامية، التي تندرج تحت ما يمكن أن يطلق عليه اصطلاحاً اسم «العمائر أو المنشآت الخيرية»، ويقصد بها الأبنية التي أنشئت رغبة في التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وأملاً في ثواب الآخرة، ومن ثم أوقفها أصحابها سبيلاً لله تعالى.
كما أنها تعتبر عناصر مادية معمارية تتلاءم في تشكيلها مع جوهر ومضمون الدين الإسلامي، وتعكس روح التكافل الاجتماعي ونكران الذات والكرم وحب الخير، فهي مبان وجدت لاستيفاء أغراض وظيفية نبيلة هدفها خدمة المجتمع، وتقديم العون له، ومحاولة إبراز القيم السامية التي اختصت بها العناصر المعمارية في المجتمع الإسلامي القديم الشاهدة على أن للعمارة دائماً دوراً مهماً في ترسيخ القيم الدينية والاجتماعية والثقافية داخل المجتمع، وكما أنَّها وسيلة، فهي أيضاً انعكاس وتعبير مباشر عن خصائص وسمات وقيم المجتمع.
«سقيا الإمارات» مبادرة ليست بجديدة على أهالي المنطقة في الوقت الذي يتسابق فيه أهل الخير لإقامة مشاريع خيرية، ومبادرة الأسر والمحسنين بتركيب برادات مياه السبيل في الأحياء السكنية لتكون بمثابة صدقة جارية عن أمواتهم أو كخدمة إنسانية تقدم لعابري السبيل، ليتواكب في شكله ومضمونه مع جمال السقاية القديمة التي شكلت بحق، أحد المعالم المعمارية الإسلامية، وقد جذب جمالها انتباه معظم الأجانب الذين زاروا أماكن تواجدها في القرن الماضي، بهدف المحافظة على هذا التراث الإسلامي الجميل، وإحياء لهذه السنَّة، مما يعود بالنفع على الإنسان مهما كان جنسه أو دينه، من خلال توافر المياه العذبة للشرب، في أماكن جذابة وجميلة، وصحية قبل كل شيء، إلى جانب اعتماد وضع برادات مياه خارج كل منزل أو جامع بعيدة كل البعد عن الشكل العمراني، وآخرون اعتمدوا وضع صناديق المياه في المساجد.
ماء السبيل
«ماء السبيل» بغية نشر الصدقة الجارية، وتخفيف بعض مما تعانيه الأسر المحتاجة داخل البلاد، والعمال المارة في الطريق، من عدم التمكن من شراء أجهزة تبريد الماء، أو شراء العبوات الباردة وذلك بوضع هذه البرادات بين المنازل وأماكن التجمع ليستفيد منها أكبر عدد من الناس، وإحياء للتراث الإسلامي والقيم والعادات.
وتأتي في مجملها تعزيزاً لأواصر التراحم والتكافل الاجتماعي الذي يحث عليه ديننا الإسلامي الحنيف، حيث تعتبر عملية بناء وحدات «سقيا الماء»، المستمرة في الإمارات إلى يومنا هذا كمرافق حيوية وإنسانية مهمة منتشرة في معظم ربوعها، لتعيد إحياء تراث تاريخي قديم كان يميز المدن العربية والإسلامية في القرون الماضية، يحمل في طياته أبعادا إنسانية واجتماعية ودينية.
وقال المواطن محمد المطوع من إمارة الشارقة: قديماً كان الماء شحيحاً، ولم يكن توفير مياه السبيل أمرا بسيطا، خاصة وأن الإمارات صحراوية، ومع ذلك حرص كثيرون على وضع «خرس الماء» وهو وعاء طيني كبير توضع فيه مياه الشرب لتبرد، وكانوا يضعونه خارج منازلهم وبجوار الأماكن التي يمر فيها الناس عادة، مثل المساجد والأسواق. وحين توافرت المياه الصالحة للشرب اهتم الإماراتيون ببرادات مياه السبيل، فكانت على الدوام أحد أهم أعمال الخير التي ينشئونها كصدقة جارية عن موتاهم، وفي بعض المدن توفرت لجان إشرافيه على بناء الأسبلة وصيانتها، لتكون نموذجا معماريا جميلا.
وقالت المواطنة فاطمة المرزوقي من مواطني إمارة رأس الخيمة إن حملة سقيا الإمارات ليست بجديدة على الشعب الإماراتي لما تشكله من عادة أخذ بها أهالي المنطقة منذ القدم، بهدف الانتفاع العام بالأماكن العامة والتي تفيد العدد الأكبر من الناس من المارة، فالماء هو سبب الحياة لقوله تعالى (وجعلنا من الماء كل شيء حي).اهتمام
عبرت مريم محمد مواطنة من إمارة رأس الخيمة، أن الأسبلة باتت توضع في كل البيوت الاماراتية تقريباً، ومؤخرا صار وضع ثلاجات المياه العامة مرتبطا بعقود صيانة دائما تقوم بها شركات متخصصة، ليتم توفير المياه الباردة بشكل دائم ويتم الاهتمام بهذه الثلاجات حفاظا عليها من الصدأ أو التلف، ويتم تغيير «الفلترات» بشكل مستمر لتوفير مياه نقية للناس، خاصة وأن الجهات الرقابية تشدد على الاهتمام بثلاجات مياه السبيل من أجل توفير مياه شرب نظيفة للناس والحرص على سلامتهم، لأن إهمال صيانة الثلاجات يتسبب في حوادث تضر الناس ولاتنفعهم.
