وصلت يارا، 15 عاماً، الى حديقة الصنائع في بيروت برفقة أمها وعمّتها وأولاد عمّتها حسام ومحمد. نظرت إلى الحديقة التي اعتادت زيارتها منذ كانت في الثانية من عمرها كل يوم أحد، فوجدتها مكتظة بالأطفال الحاملين كتباً على غير عادة. استغربت، فسألت أمها عن السبب، لكنها أيضاً لا تعلم ما سبب وجود طاولات منشرة عليها كتب من كل شكل ونوع. فركضت يارا من السيارة بسرعة، لتعرف ماذا يدور في الحديقة العامة الوحيدة المتبقية لأهالي بيروت كي يستمعوا بخضارها.

 وإذ بملصق كبير معلّق في الردهة، كتب عليه «إقرأ الكتاب واحمله معك»، والى جانبه ملص آخر كتب عليه «كتاب وزادة في جنينة الصنائع». عندها فهمت أن ثمة مهرجاناً للكتب هنا. فتهافتت ككثير من الأطفال والمراهقين لتلقى جواباً على أسئلتها. «عندما رأيت الكتب استغربت، فهذه المرة الأولى التي أرى كتباً هنا في الحديقة. لكن أكثر ما أعجبني أن الكتاب معه بعض من الفاكهة والكعك، فأنا أحب الكعك كثيراً»، تقول يارا.

المراهقة احتارت أي كتاب تختار من بين آلاف الكتب المنتشرة على طاولات في الحديقة، فساعدتها أمها لتختار ما يُناسب عمرها. أما الأم والعمة، فوجدتا بالخطوة إيجابيات كثيرة، كون أولادهما «لا يفكرون بقراءة الكتب أبداً، إلا خلال الامتحانات». وأسرّت العمّة، أنها لا تعرف كيف يمكنها حثّ أولادها على القراءة، «فهما لا يبرحان من أمام شاشتي التلفزيون والكمبيوتر».

ورأت امرأة أخرى كانت تمارس رياضة المشي هناك، أن «أهمية مثل هذه النشاطات تخلق وعياً عند الطفل ليكون الكتاب وسيلة تسلية وليس للدرس والحفظ المضنيين فقط». أما زوجها ففرح لأنه وجد كتاباً تاريخياً يملأ به فراغه وهو ينتظر زوجته لتكمل رياضتها اليومية، قائلاً: «يا ليت كل مهرجان سياسي يتحول إلى مهرجان للكتاب، لكنا قضينا على الحروب والطائفية وتطوّرنا كثيراً».

فقد غصّت حديقة الصنائع في بيروت خلال نهاية عطلة الأسبوع (الأحد)، بروادها المعتادين التنزّه فيها بعيداً عن علب الإسمنت المتلاصقة، علّهم يشمون هواء نظيفاً وتنعم عيونهم بالمساحة الخضراء الوحيدة المتبقية في العاصمة اللبنانية. لكن الحديقة الشاهدة على تاريخ المدينة الحديث.

والتي أوت بين أشجارها نازحين ومهجرين أيام الحرب الأهلية وفي حرب تموز الأخيرة، استقبلت عدداً من طلاب المدارس وهواة القراءة والمطالعة خلال مهرجان «كتاب وزوادة» نظم برعاية وزارة الثقافة، لمناسبة الأسبوع الوطني للمطالعة.

المهرجان الذي افتتح عند العاشرة صباحاً واختتم عند الخامسة من بعد الظهر، وليوم واحد فقط، استقطب عدداً كبيراً من الأطفال وأهاليهم الذين تهافتوا على اختيار الكتب التي تناسبهم من بين خمسة آلاف كتاب قدّمتها 21 دار نشر لبنانية مجاناً. وتنوّعت بين التاريخية والسياسية والأدبية، إضافة الى كتب الأطفال التي قدمتها أربع دور نشر متخصّصة بإصدار كتب للأطفال.

وما زاد الأطفال سعادة، تلك الزوادة التي وزّعت مع الكتاب والتي تحمل تفاحاً وكعكاً ومشروبات غازية وقهوة.

فمن أتى الى الحديقة العامة ليلعب أو ليتنزّه، كسِب زوادة تزيد من نشاطه يتسلى بها وهو يقرأ كتاباً يُنعش ذاكرته أو يغذي فكره!

وحول هذا المهرجان الذي ينظّم للسنة الثانية على التوالي يقول الكاتب ومدير دار نلسن للنشر سليمان البختي وهو أحد المنظمين، إن «الحديقة تحوّلت اليوم الى مكتبة عامة ينهل منها الناس ما يشاؤون من كتب، كما أنه يكرّس ليكون الكتاب جزءاً من حياتنا اليومية والممارسة الاجتماعية الجماعية وليس مرجعاً ووسيلة اضطرارية عند الحاجة أو البحث فقط.

وأوضح بختي أن هدف المهرجان تشجيع المطالعة وفتح مساحات تلاقي للناس مع الكتاب والمعرفة، على الأقل ليوم واحد. وأشار الى أن «المنظمين يسعون ليكون المهرجان تقليداً سنوياً، على اعتباره خطوة مهمة ولو متواضعة وتحتاج إلى جهود مكثفة واستمرارية». واعتبر أن «كتاب وزوادة» يجب أن يكون له امتداد في المحافظات اللبنانية كافة، من أجل تنمية ثقافية مستدامة قد تحسّن علاقة المواطن مع الكتاب ليكون رفيقاً دائماً.