غدا الحوار والتواصل بين الآباء والأبناء عملة نادرة في أيامنا هذه نظراً إلى اشتغال الأب بالكثير من المهام خارج البيت، والأم أيضاً ليست بأفضل حال عن الأب، والتي تتعذر أيضاً بعملها الخاص ومستلزماتها ومتطلباتها الشخصية، الأمر الذي يفقد البيت الجو الحميمي، وغربة الأبناء داخل بيوتهم، حيث لا يجدون من يجلس معهم ويسمع مشاكلهم أو يناقشهم لحلها.
يقول أبو سارة، موظف: يرجع سبب نجاح العلاقة بين الآباء والأبناء إلى الأهل، فهي الأساس، فإذا كانت حياتهم تسير بالشكل الطبيعي، وهناك مجال للحوار والنقاش والمزح فينشئ الأطفال والأبناء في جو يسوده الثقة والحب، ولو تربى الطفل بجو يسوده المشاحنات والصراخ أو الخرس الزوجي بين الأم والأب.
وتكون لغة الحوار مفقودة بينهما؛ فبالتأكيد تكون هناك فجوة كبيرة تؤثر في الحياة الزوجية، وأيضا تؤثر في الأبناء وعلاقتهم مع بعض البعض، ولا يشعرون بالأمان، ويزيد بعدهم عن بعضهم البعض، ويلجؤون إلى أي مكان آخر خارج المنزل.
ويضيف أحمد المهيري: إن وجدت الحوار والصداقة في الأسرة فهما دليل نجاح الآباء في تربية أولادهم، موضحاً أن علاقة الصداقة بين الأبناء وآبائهم علاقة حميمية جدا، حيث يبدأ الأبناء بمحاورة آبائهم، ويتبادلون الحوار والصراحة من دون خوف من أي خطأ ارتكبوه، ولكن يختلف ذلك بين الأم والأب، حيث تكون العلاقة مع الأم علاقة صداقة مفتوحة المدى. أما مع الآباء فيقف المدى عند عدم تجاوز هيبة الأب واحترام قراراته، وقد يقبل الأب شيئا من المناقشة، لكنه لن يقبل الرفض أو المجادلة.
يشاركه الرأي الإعلامي، يوسف الخالدي، فيقول: بات زمننا مقتصراً على العمل فقط، وقلت الجلسات التي يملؤها الدفء والود والحوار في غرفة المعيشة التي تجمع الأب والأم والإخوان، وتلك «السفرة» التي يجتمع عليها جميع أفراد العائلة لتناول الوجبات الثلاث الرئيسي.
حيث أصبح كل شخص يأكل بمفرده رغما عنه، وذلك بسبب الظروف الحياتية والانهماك في الأعمال التي لا تنتهي، فأنا شخصيا ارجع إلى المنزل في وقت متأخر، وذلك بسبب ضغوطات الحياة، وتكون فرصة اجتماعي بأسرتي ووالدي ضئيلة جدا، وإن حالفني الحظ يكون النصيب من الوقت ساعة فقط لا أكثر ولا اقل.
ويؤكد محمد الرئيسي، موظف، أن المحبة بين الآباء والأبناء لن تسود من غير الود والاحترام وفتح باب الحوار؛ فهما أساس المحبة الصادقة، ويضيف: يجب على الآباء أن يطبقوا المثل (إذا كبر ولدك خاويه)؛ فالولد عندما يكبر يكون في أشد الحاجة للصداقة، يجب على الوالد أن يصادق ابنه. وينهي حديثه بتساؤل يوجهه للآباء قائلا: أيها الأب الفاضل، أيهما تفضل، أن تصادق ابنك ويطمئن قلبك عليه، لأنه سيكون بجانبك طوال الوقت ويستشيرك في كل شيء تعسر عليه فهمه، أم تجعل رفاق السوء يصادقونه؟
ومن الأمور المهمة في توطيد علاقة الآباء بالأبناء كما يراها الطالب الجامعي عبدالله السويدي، ويحكيها عن تجربة، فيقول: من وجهة نظري الخاصة أرى أن قياس مدى تأثير الأب في ابنه مهم جدا لتحديد العلاقة بينهم، فأنا حتى هذه اللحظة أشعر دائما أن أبي أقوى رجل في العالم.
وفي صغري كنت أمشي وكأنني ابلغ الجبال طولا، وأواجه كل مخلوقات الأرض. ويضيف ضاحكاً: أوقعت أبي في كثير من المشاكل لثقتي المفرطة في قدرته، رغم محاولة إقناعي مرات ومرات بأن أبي رجل محدود القدرة كأي رجل عادي، إلا أنني لم أقتنع، ولايزال أبي أقوى رجل في العالم في نظري.
أما سالم الخالدي، متقاعد، فيقول: اليوم غير الأمس بكل تأكيد، في الأمس كانت التقاليد والعادات هي التي تحكم العلاقة الأسرية، حيث كان كبير العائلة هو المتفرد في اتخاذ القرار، ورغم مساوئ ذلك التفرد إلا أن له احترامه عند العائلة، أما اليوم فقد اختلف الأمر برمته بعد الثورة العلمية والانفتاح على الآخر.
حيث أصبحت هناك مساحة من الحرية وتبادل الرأي بين أفراد الأسرة، ولكن هناك بعض الأبناء من لم يقدر هذه المساحة، علماً أنه مطلوب اليوم قبل الغد من الوالد أن يحاول إمساك العصا من النصف حتى لا يفلت زمام الأمر من بين يديه.
وافقه الرأي جعفر علي، موظف، حيث يقول: العلاقة بين الأب وأولاده أصبحت أكثر جرأة وتفهما، وذلك بسبب تطور الفكر العلمي، والآباء أصبحوا أكثر انفتاحا وتعلما، إضافة إلى معرفة كيفية تكوين علاقة تشمل التفاهم والود بين الأسرة وكيف يكون للأولاد قرارات وتحمل للمسؤولية، وأرى أن علاقة اليوم أفضل بكثير من علاقة الأمس بشرط احترام الأبناء للوالدين بمقابل العطف من الآباء للأبناء.
وتقول زينب علي، ربة منزل: إذا رجعنا إلى أيامنا قبل 40 عاما وقت كانت العلاقة علاقة تعليمات من الوالد يصدرها فتنفذ دون نقاش ولا مجال لأي تأخير، فكل شيء يتم في موعده وعلى حسب رغبة الوالد، وهو كان صاحب السلطة في البيت، وطبعا لا احد يكبر عليه، حتى القرارات المصيرية كانت تؤخذ منه فقط، فعلى سبيل المثال زواج البنت يمكن للوالد أن يوافق على العريس، ويحدد كل شيء.
والبنت تعرف لاحقا مثلها والمعازيم، وهذا الأمر لا يستدعي الاستغراب؛ هكذا كنا في أيامنا، أما اليوم فالأمر اختلف تماما عند بعض الأسر، حيث يمكن لأصغر طفل في المنزل أن يناقش الوالد، وأحيانا تصل الجرأة ليقول كلمة (لا) في وجه أبيه.
وإذا نظرنا إلى الابن الأكبر فهو يناقش بقوة، ما يعزز الأمر في بقية إخوته ويتأثرون به، أما أنا وزوجي فقد اتبعنا أساليب آبائنا في تربية الأولاد، ولكن في حدود مصلحة الأبناء، مع التأكيد على سعادتهم، فها هم اليوم كبروا لذاتهم، ليس لي ولا لزوجي، وقد تزوجوا جميعهم وأنجبوا الأولاد والبنات.
أما أبو عبدالله، متقاعد، فيقول: بدا الاختلاف واضحا في وقتنا الحاضر عن الماضي، ومن وجهة نظري الخاصة أرى أن الماضي له ايجابياته وسلبياته، ومن الايجابيات تلاحم الأسرة وسيطرة الأب على زمام الأمور، بعكس الآن، حيث نجد السيطرة في بعض الأسر وليست الكل، للمرأة أو للابن الأكبر.
ومن سلبياته أنه أحيانا يفرض الأب على أبنائه الزواج من دون موافقتهم، حيث يتركهم امام الأمر الواقع. وأرى أن الموازيين قد تغيرت تغييرا جذريا بسبب تدليل الأطفال تدليلا زائدا على الحد، حيث يفقد الآباء والأمهات السيطرة عليهم اذا كبروا، وأيضاً بسبب تلبية كل صغيرة وكبيرة لهم.
وهذا لا يجدي نفعاً، وإنما يجعل الأبناء متسلطين، ويولد لديهم الجرأة غير المرغوب فيها، مضيفا: أرى الموازنة أفضل في تلك الأمور، وأن يكون بين الآباء والأمهات وأبنائهم نقاش مفتوح، وكل طرف يأخذ ويعطي ويحاور لكي يجدوا الحلول الملائمة في حل مشاكلهم أو في اختيار ما يناسبهم، مع مراعاة الأبناء الاحترام والتقدير لآبائهم وأمهاتهم.
