اعتاد البعض الحوار مع الأقلام المعبرة، ولكن يختلف الحال عند الحديث عن الأقلام التي تقطر عطرا، وترسم خارطة للمحبة أشبه بسياحة للعالم الحالم، المفعم بالأمل، وفي جوانبها ترى النجوم الوامضة ومدارها مرصعة بالأفكار المفعمة بالحياة وعبق التراث، الذي يتخلله الألوان والرسومات المعبرة.
«الحواس الخمس» التقى الفنانة والشاعرة وفاء خليفة القصيمي ليجول معها في عالمها المليء بالأشعار والرسومات؛ لتخرج لنا اللوحة الحوارية في السياق التالي.
استهلت الفنانة والشاعرة وفاء الحديث عن بداياتها قائلة: بدأت الرسم في مرحلة مبكرة من عمري، بتشجيع من والدي ووالدتي رحمهما الله، فقد لاحظا علي الاهتمام الشديد بتجميع الأشياء ورسمها، ومحاولة تشكليها؛ لتكوين كيان متكامل للأشياء، التي تقع عليها يدي، وأول لوحة أتممتها في عمر التاسعة كانت بتجميع فني لقواقع البحر البديعة والقصاصات الورقية ورسومات بالفحم، أنتجت لوحة بديعة حازت على المركز الأول على مستوى الشارقة في ذلك الوقت.
ولكنني ابتعدت عن الرسم وتحولت إلى الاهتمام بالخط العربي، وألحقني والدي بصفوف تعليم الخط العربي البديع، إلى أن حزت على مراكز متقدمة فيها، وفي عمر الثالثة عشرة تأثرت بالشعر وموسيقى التفعيلة الشعرية وبحور الأوزان في الشعر الفصيح، وأبهرتني المعلقات القديمة ونصوص عنترة بن شداد والأصمعي وأبو القاسم الشابي، ووجدت نفسي أكتب الشعر شيئا فشيئا وأتعلق به.
وظللت أمارس الشعر والفن فترة طويلة، ولكن تسرقني منهم مشاغل الحياة والدراسة، ولكنني عدت مؤخرا لأجد نفسي في فن جديد وهو محاولة ربط القصائد باللوحات، وأسميته فن رسم الشعر الخطي، وفيه أحاول أن أرسم كل قصيدة من قصائدي بمشهد تصويري من مشاهد القصيدة، وذلك باستخدام نفس كلمات القصيدة بتوزيع مدروس للظلال والتدرجات اللونية والتوزيع الخطي؛ لأصل في النهاية إلى تكوين جميل مترجم لأحاسيس القصيدة.
مشاركات متعددة
وبالنسبة إلى مشاركاتها الأدبية والفنية أضافت القصيمي: نشرت بعض قصائدي في العديد من المجلات والصحف، وفزت بالعديد من المسابقات الشعرية في الشبكة العنكبوتية كانت لجنة تحكيمها من الشعراء الذين يشار لهم بالبنان، ولهم صيتهم في الساحة الشعرية. مضيفة: أما بالنسبة للمعارض الشخصية الفنية فأنا بصدد التحضير لمعرض شخصي متكامل، أجمع فيه بين الأمسية الشعرية واللوحات وسيقام قريبا بإذن الله.
حميمية الأدب والشعر
كما أبانت القصيمي بأن ثمة علاقة حميمة مع الأدب والشعر، وذلك من خلال إيمانها بترابط الشعر والرسم، فهما وجهان لعملة واحدة، فالشاعر يخلق خيالا تصويريا خصبا للمتلقي من مكنونات فكره وثقافاته المخزونة، ممزوجا بأحاسيس مختلفة تجسد جمال الطبيعة واختلاف العلاقات الإنسانية في شتى صورها، بينما الرسم هو إنشاء تكويني لعناصر فنية غاية في الجمال والترابط.
وتجميد لخيال معين يثير في نفس المتلقي العديد من المشاعر المختلفة، بدءا من الدهشة والانتهاء بالتأثر والإعجاب العميق، ولكن يختلف الشعر والرسم في أن لغة الشعر لا يفهمها غير الناطقون بها، أما الرسم فقادر على التواصل مع كل ذي بصر، ومن هنا انبثقت فكرة تحويلي لجميع قصائدي إلى لوحات فنية إبداعية مترابطة.مضيفة: أجد نفسي في التشكيل الخطي بنفس كلمات القصيدة.
وتكوين رسمة بكامل عناصرها الفنية من ظلال وتدرجات لونية؛ لتشكل مشهدا من الصور البلاغية للقصيدة، فأرسم شعرا وأترجمه لعمل فني تعبيري تتجلى فيه رموز سيريالية وتجريدية لمشهد من مشاهد قصيدة، بغية إيصال الدلالة إلى المتلقي بفعالية، عبر تقديم إطارين دلاليين أحدهما سمعي والآخر بصري، مستطردة حديثها قائلة: تتناول قصائدي ولوحاتي قضايا متنوعة فيما يخص الواقع والخيال، الدين والوطن والعلاقات الإنسانية والعادات والتقاليد، فهي واضحة كل الوضوح في مشاهدها التصويرية في كلمات القصائد المرسومة.
والتي تضم عناصر عديدة متنوعة ضمن فلسفة جميلة ومبسطة، تتراقص أمام عيون المشاهد، فأنا أشعر بمتعة حين أقدم شيئا جميلا ومبتكرا للعيون الجميلة المترقبة للفن والثقافة، وأشعر بالفخر حين يمر المشاهد سريعا وهو في عجلة من أمره، وفجأة يتوقف أمام لوحاتي ويندمج في عالمها، تارة يتطلع بانبهار إلى اللوحة، وتارة يقرأ كلمات القصيدة المعلقة بجانبها، ولمست الكثير من الإعجاب والرغبة في مشاهدة المزيد من أعمالي وقصائدي، ولله الحمد.
التأثر بالبيئة المحيطة
كما تتسم أغلب لوحاتي وقصائدي بالطابع التراثي؛ لتأثري الكبير بنشأتي وبيئتي، وإيمانا مني بأهمية تخليده، كما أنني أؤمن بأن الشاعر والفنان يحمل على عاتقه إيصال صورة بلده وتراثه، ومواكبة أحداثه التاريخية؛ لما لذلك من أهمية ثقافية وإنسانية وروحية عميقة في جميع التفاعلات الحضارية في المنطقة، فالفنان الذي ليس لديه فكر واع مليء بالثقافة المتعددة والخيال والأحاسيس الحقيقية.
والرؤية الفلسفية العميقة سيكون غائبآ في طرحه للعديد من العناصر الموضوعية، التي تخص العديد من القضايا المرهونة ضمن تراثنا وحضاراتنا منذ القدم، وقد يكون غير قادر على طرح توقعات خيالية لأفكار جديدة للأزمان المقبلة.
طموح لا ينضب
وكان للفنانة والشاعرة وفاء القصيمي كلمة أخيرة، فتقول: أرى أن الطموح لا ينضب والرؤى تتفتح دائما بشكل دائري، وتكبر تماما كمن يرمي بحجر إلى الماء لتتشكل دائرة ضمن أخرى، فتكبر الأولى وتلحقها التي تليها نتيجة هذا الفعل، فتأتي واحدة تلو الأخرى، فهكذا هي الأفكار التي تراودني وتطمح لنشر ديوان شعري، تضيف فيه خبرتها الطويلة كمهندسة للورق، وستصدره بشكل مبتكر ومختلف، كما لديها العديد من المشاريع قيد التنفيذ، والتي سترى النور قريبا بإذن الله.
