من المشاكل التي تواجه الشباب في مرحلة الاستعداد للزواج مغالاة بعض الأسر العربية في المهر المقدم للعروس، والذي ينظر إليه البعض على أنه ضمانة لمستقبل الزوجة وتقدير لقيمتها لدى الزوج ومقياس لمدى محبته لها، وربما يشعل الأمر ويزيد من تشدد الأهل والفتيات ما يتابعونه من أخبار تتردد عن حصول سيدة أعمال على 20 مليون يورو مهرا أو اشتراط فنانة الحصول على 20 مليون دولار من الزوج.

وغيرها من الأرقام التي توحي بأن ارتفاع قيمة المهر هو شرط لحياة زوجية مستقرة.. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل قيمة المهر الذي يقدمه الرجل لزوجته دليل على مكانتها في قلبه، أم أنه موروث اجتماعي، أم أنه من قبيل التباهي والتفاخر؟..

«..المهر الذي تقبضه الفتاة بموجب عقد الزواج نوع من الضمانة لمستقبلها في مواجهة أعباء الحياة إذا فشل زواجها؛ لذلك تميل كل الفتيات إلى رفع مهورهن إلى أقصى حد ممكن لاعتقادهن أنه كلما زادت قيمة المهر أصبحت الضمانة أقوى..» هكذا ترى شيماء.م

في حين تعارض فاتن.أ -من مصر- هذا الرأي، وترى أن قيمة المهر لم تشفع لها كضمانة لحياتها الزوجية، حيث شعرت أنها فقدت كل شيء بعد طلاقها وتقول : «كل أموال الدنيا لا تطفئ النار التي بداخلي بعد حصولي على لقب مطلقة، خاصة أن المهر عندنا عبارة عن قائمة منقولات تتمثل في غرفتي نوم وأنتريه ومطبخ وهكذا، ومعظم المطلقات لا يحصلن عليها كما هي، حيث يقوم معظم الأزواج باستبدالها عند تسليم قائمة المنقولات».

في حين تتفق معها نهى.ع، مطلقة، في إن المهر فشل في أداء دوره كضمانة للفتاة، إذ لم تستطع الإرتكان إليه لتأمين حياتها عند طلاقها، قائلة: «تفاوضت أسرتي مع زوجي عند الطلاق على منحي مبلغاً ماليا يصل إلى 20 ألف جنيه نظير قائمة المنقولات فوافق، لكن هذا المبلغ انتهى تقريباً خلال عام؛ لأنني أعول طفلين يحتاجان إلى مصروفات طائلة، خاصة في ظل تغير الظروف الاقتصادية والارتفاع الجنوني للأسعار».

 

عربون محبة

لكن هيثم.ج - طبيب، يرى أن المهر عبارة عن عربون محبة مهما علت قيمته أو انخفضت، لكن السائد في هذه الأيام أن المهر تحول إلى وسيلة للتفاخر.. فيطالب الآباء بمبالغ خيالية مقابل تزويج بناتهم ويفرضون شروطا من الصعب على أي شاب مكافح تنفيذها، مفتخرين أمام أقاربهم وأصدقائهم بذلك كأحد مظاهر التخلف والجهل الذي أصبح يسيطر على عقول الأغلبية.

بينما هرب حسين.س - مهندس ديكور، من عروسه وأغلق صفحة الزواج للأبد بالرغم من أنه عاش معها قصة حب يعرفها جميع طلاب كلية الفنون التطبيقية فيقول «فوجئت بوالد خطيبتي يطلب مهراً مبالغاً فيه فحاولت إثناءه عن ذلك لأنه فوق طاقتي، فقال لي (إذا كنت تقدر ابنتي وتحبها فعليك الوفاء بالمطلوب)، وكانت المفاجأة التي لم أتوقعها أن خطيبتي هي الأخرى لا تستطيع أن تقبل مهراً أقل من شقيقتها فطويت صفحتها للأبد.

 

المشاعر الحقيقية لا تشترى بالمال

في حين يرى محمود.ع أن المشاعر الحقيقية لا تشترى بالمال؛ وأن استمرار الحياة الزوجية يأتي بالحب والتفاهم، فيقول «لم أشترط على أحد من أزواج بناتي الثلاثة مهراً قاسيا ولم أسمِ مبلغاً بعينه؛ لأنني على يقين بالمشاكل الجمة التي يواجهها الشباب في هذه الأيام، والحمد لله بناتي كلهن يعشن في سعادة وحب مع أزواجهم الذين يحفظون لي الجميل حتى هذه اللحظة».

وترى عائشة .ف أن المظاهر التافهة لا قيمة لها، وأن الحب لا يقترن بالمال، وهذا ما حدث في زواجها الأول «ظننت أن الحياة فتحت لي ذراعيها عندما تقدم لخطبتي تاجر مواد بناء، وهو يعد من أحد أغنياء قريتي، لم يطلب منه والدي مهراً بعينه لكنه أكد أنه سيكون أغلى مهر لبنت في العائلة.

وبالفعل نفذ وعده وتوقعت أنه لم يفعل ذلك إلا من أجل عشقه لي إلا أنني فوجئت بعد الزواج بأنه إنسان آخر لم يدفع هذا المهر إلا للتباهي والتفاخر، وكان يعايرني دائما بأنه اشتراني، وفي النهاية طلب مني التنازل عن مؤخر الصداق والمهر حتى يطلقني».

 

يجبره على احترامها

وتعترف هبة.أ بأنها كانت على حق حينما طلبت من والدها أن يطلب من زوجها مهراً غالياً حتى تجبره على احترامها، وتضمن معه حياة زوجية هادئة، وتعرف من خلاله أنه يحبها ويقدرها فتقول :كانت سعادتي لا توصف وهو يسابق الزمن من أجل الزواج مني وشعرت بأنني كل شيء في حياته ولا يستطيع أن يبتعد عني؛ لذلك أعتبر أنني محظوظة من بين المتزوجات.

 

رأي علماء الاجتماع

وإذا كان هناك تباين في الرأي حول قيمة المهر وعلاقتها بمكانة المرأة في قلب الرجل فإن علماء الاجتماع والدين لهم رأي آخر، حيث ترى د.إنشاد عز الدين، أستاذ علم الاجتماع العائلي والمشكلات الاجتماعية، أن تقدير الزوجة حسب ارتفاع أو قلة المهر تفكير خاطئ وبعيد عن الواقع الذي نعيشه تماما، فالعشرة والحب والكلام المعسول والوجه الحسن والمعاملة الجيدة والتقرب إلى الله هي مفتاح المرأة إلى قلب الرجل، فالمهر القليل لن يمنع الزوج من احترام زوجته ولن يقف حائلا أمام حبه لها ولن يجعله ينظر إليها نظرة دون المستوى اللائق بها، فإذا استحالت العشرة فلن يجدي معها مهر قليل أو كثير.

وتوضح أن المهر القليل يساهم في بناء وإنجاح الزواج ويجعل الزوجة كبيرة وغالية في نظر الزوج وفي نظر عائلته أيضا، في حين يعتبر غلاء المهر سببا يجعل الزوج لا يحترم زوجته بحكم أنه دفع فيها مهرًا كبيرًا فيتحول الزوج إلى محب للمال، وقد تدفعه الظروف بعد استحالة العشرة إلى إرغام زوجته على إرجاع ما قدمه لها، حيث تضحي الزوجة بكل شيء لتكسب طلاقها وعتقها، في حين قد تصل الأمور لطريق مسدود وترفض الزوجة رده ويرفض الزوج الطلاق، وبالتالي يتسبب المهر في مشاكل لا حدود لها.

في حين ترى د. سامية الساعاتي، خبيرة علم النفس، أن المهور مهما بلغت قيمتها عاجزة عن شراء الحب، وتزخر محاكم الأسرة بآلاف القضايا التي ظن أصحابها أن قيمة المهر دليل على مكانة المرأة في قلب الرجل، وأصبحوا حالياً في صراع شديد ما بين سطوة المال وتمسك المرأة بحقوقها الشرعية.

رأي الدين

في حين يرى المفكر الإسلامي د. عبدالمعطى بيومى، أن مبدأ المهر ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، وهو من المعلوم من الدين بالضرورة، والحكمة من وراء مشروعيته أن تكون المرأة هي المطلوبة لا الطالبة، وأنه يسعى إليها ولا تسعى هي إليه، حيث يعطيها هذا المال (نحلة) أي عطية بطيب نفس منه وليس ثمناً للمرأة كما يقول البعض لقوله تعالى {وَآتُواْ النَّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا}.

وتعد قيمة المهر دليلا على أن الرجل جاد في طلبه للمرأة وجاد في الارتباط بها؛ لأن الزواج ليس ملهاة يتسلى بها الرجال، فلا يحق للرجل أن يتزوج بامرأة ثم يدعها ليتزوج بأخرى، ويقول لها ما يقوله للأولى.