تنوعت أغراض الزواج ومسمياته، وكل نوع أصبح يخلف وراءه جدلاً واسعًا، وآراء مختلفة، وأثرًا بالغًا، وضحايا كثيرين، فبعد زواج المسيار وزواج النهار وزواج المتعة وزواج المسفار وزواج المصياف، ظهر زواج الابتعاث؛ وهو آخر صيحات الزواج، حيث تشترط بعض الدول وجود محرم مع أية فتاة تود السفر إلى واحدة من هذه الدول، وهذا ما جعل الفتيات يفكرن في طريقة جديدة للتخلص بها من قيود السفر الإجبارية والصارمة.

فأوجدن نوعًا جديدًا من الزواج، أطلقوا عليه زواج الابتعاث، أي أن تطلب الفتاة يد شخص ما لكي تتزوجه، وتحدد معه وقتا لاستمرار هذا الزواج، وعندما يتم الزواج بينهما ويتحقق شرط المحرم للسفر، تسافر معه إلى واحدة من الدول التي تتطلب وجود محرم، وبهذا يتحقق حلم السفر لديها.. تعالوا بنا نتعرف إلى هذا الزواج وفرص نجاحه والمخاطر المترتبة عليه، فإلى التفاصيل.

 

المتابع للمواقع الالكترونية على اختلاف توجهاتها، يجدها مزدحمة بالعديد من الحكايات الواقعية التي حدثت لبعض الفتيات، واللاتي أصبحن الآن ضحايا زواج الابتعاث، حيث تروي ش.أ - 32 عاما، تجربتها مع زواج الابتعاث قائلة: راودني حلم السفر فور تخرجي من الجامعة.

لكن شروط السفر المعقدة جعلت حلم السفر صعب التحقيق، وحصلت على وظيفة في إحدى الشركات الخاصة، واستمر عملي بها سنوات طويلة، حتى سمعت عن زواج الابتعاث، فراودني حلم السفر مجددا، فبحثت عن رجل وطلبت منه أن يتزوجني لمدة سنتين.

- وهي مدة سفري إلى الخارج-، فوافق نظرا لأوضاعه الاقتصادية المتدهورة، واتفقنا على مبلغ من المال يأخذه مني مقابل موافقته على الزواج بي ليكون محرمًا لي في السفر، أخذ نصف المبلغ بعد أن تم الزواج، وأخذ النصف الآخر بعد أن سافرنا، لكنني فوجئت بأنه يطلب مني مبلغًا إضافيًا من المال لم نتفق عليه، فرفضت وطلبت منه الالتزام باتفاقنا.

لكنه أيضا رفض أن يطلقني إلا بعد حصوله على المبلغ الإضافي، فلم أستطع أن أسدده له، وبقيت على ذمته ثلاث سنوات، عانيت فيها من قسوته وفظاظته وابتزازه، حتى جمعت له المبلغ فأخذه وطلقني بعد أن سلبني كل أموالي التي عملت بها في الخارج، بل حطمني تماما، فلم أعد أفكر أبدا في عمل أو زواج أو سفر.

 

تجربة مؤلمة

إما ل.ع - 28 عاما، فتحكي تجربتها المؤلمة فوق صفحات أحد المواقع الإلكترونية الشهيرة قائلة: طلبت منه أن يتزوجني ليكون محرمًا لي في سفري إلى الخارج، مقابل مبلغ من المال أدفعه له، رفض في البداية، لكنه اتصل بي بعد ثلاثة أيام ليبلغني بموافقته.

ولكن بشرط أن يتقاضى كل المبلغ الذي اتفقنا عليه مقدما، وبالفعل تم الزواج وأخذ المبلغ كاملا وسافرنا، لكن بعد مرور أربعة أشهر طلب مني مبلغا آخر من المال، وعندما رفضت ضربني بقوة، وطلب مني أن أعطيه راتبي كاملا كل شهر دون أن أنقص منه جنيهًا واحدًا.. عانيت منه كثيرا، ولم أجد أموالا أرسلها إلى أهلي ولا أموالا في يدي، فكل الأموال التي جمعتها كان يأخذها أولا بأول، فقدمت استقالتي من عملي، وعدنا من السفر، وطلقني، بعد أن ترك لي جراحا عميقة.

 

شروط السفر المعقدة

وتقول ن.أ - 34 عاما: شروط السفر المعقدة جعلتني ألجأ إلى زواج الابتعاث على اعتقاد بأنه سيحقق لي حلم السفر، وعندما تم الزواج أخذ المال الذي اتفقنا عليه، شعرت أن حلمي قد تحقق، لكن الطمع جعله يطلب مني أموالا أخرى، بل طلب أن زواجنا يمتد لسنوات طويلة، وهذا رفضته لأننا اتفقنا على الزواج لمدة سنتين فقط، لكنه رفض أن يطلقني وطلب مني البقاء على ذمته.

وكان يعاملني بطريقة قاسية للغاية، فكان يضربني ويأخذ أموالي ويتحكم في حياتي، فلجأت إلى قانون الخلع وخلعته، واليوم أنا أندم على كل ما فعلته في نفسي، فقد أصبحت نادمة حزينة، أشعر طوال الوقت بالظلم الذي تعرضت له.

 

نعم ولا

ولأنه دائما لا يثار موضوع بلا جدل، ودائما تتعارض وجهات النظر، وتتأرجح بين نعم ولا، فنجد المؤيد، ونجد المعارض، ونجد المحايد، استطلعنا آراء عينة من الفتيات والشباب، حول زواج الابتعاث، فتقول فاطمة سيد -32 عاما: إنها على الرغم من رفضها هذا النوع من الزواج، الذي يحقق فقط حلم السفر ويقضي على باقي الأحلام المهمة مثل الزواج وتكوين أسرة وإنجاب أطفال، إلا أنها تشعر أنها لو وضعت في محل اختيار ربما تختار هذا الزواج؛ لأن حلم الدراسة لديها كبير للغاية، وتطالب فاطمة بتخفيف شروط السفر في بعض البلاد، حتى تتمكن كل الفتيات من السفر دون اللجوء إلى مثل هذه الأنواع الغريبة من الزواج.

أما نجلاء محمد -29 عاما- فقالت: إن شروط السفر المبالغ فيها لبعض الدول، قد ترغم بعض الفتيات على التحايل على بعض الأمور الشرعية من أجل تحقيق هدف السفر، في إطار شرعي صحيح وهو الزواج. وأضافت: لا أعتقد بأن مثل هذا الزواج ذا الوقت المحدد يعتبر زواجًا صحيحًا، ورغم ذلك يعتبر الوسيلة الوحيدة لدينا كفتيات للحصول على محرم، حتى نتمكن من السفر لاستكمال الدراسة.

 

رأي آخر

يضيف أحمد فتحي -40 عاما- أن هذا النوع من الزواج لا يفشل دائما كما يعتقد البعض، مؤكدا وجود العديد من الأزواج الذين تزوجوا على طريقة الابتعاث واستمروا في الزواج حتى الآن واستقروا وأنجبوا، ولكنهم يخفون طريقة زواجهم هذه.

ويزعمون أنه كان زواجًا طبيعيًا وعاديًا، حتى لا يثيروا جدلا حولهم، وأضاف قائلا :مادامت أغراض الزواج واضحة منذ البداية وتحقق مصلحة للطرفين، فهذا لا يوجد فيه مانع أبدا ما دام الزواج صحيحًا، كما أن هناك من يتبع هذه الوسيلة الآن رغم اعتراض الكثير عليها، وهذا ما يؤكد أن هذه هي الوسيلة المتبعة دائما لتحقيق شرط وجود المحرم الذي تضعه بعض الدول.

أما هيثم رمضان -36 عاما- فيقول إن زواج الابتعاث يحقق منفعة مطلوبة للطرفين؛ لذا تلجأ إليه الفتيات لتحقيق حلم السفر للخارج، بينما يلجأ إليه بعض الرجال لتحقيق مكاسب مادية من أهل العروس مقابل موافقته على إتمام هذا الزواج، بل والاستعداد للسفر معها إلى الخارج، وهذا أيضا يكون متفقا عليه من قبل الطرفين؛ لذا لا يوجد مانع من تحقيق المنفعة للطرفين، طالما لن يقع ضرر جسيم يطيح بأحد الطرفين أو كليهما، ومادام لم ينقض أحد منهم شروط الاتفاق.

 

ضغوط نفسية ثقيلة

الى هنا يقول د.عبدالله السيد، أستاذ علم النفس بجامعة السادس من أكتوبر بالقاهرة: زواج الابتعاث لا يعد ظاهرة؛ لأن عدد المبتعثات حتى الآن لا يدل أبدا على أن هذا الزواج أصبح ظاهرة، ولكن يمكننا القول إنه إذا زاد عدد المبتعثات ليصل إلى رقم كبير بالطبع سنطلق عليه ظاهرة، بل وظاهرة خطيرة.

ولكن إذا أرجعنا إفراز هذا النوع من الزواج إلى عدة أسباب، ستأتي في مقدمة هذه الأسباب، تدني الظروف الاقتصادية للمبتعثة ما يجعلها تفكر في السفر إلى الخارج من أجل تحسين حياتها المادية، ومن هنا تبحث عن محرم وتحدث الكارثة، ولكن هذا الزواج لا يعد زواجًا سليمًا، إذ ينقصه شرط أساسي وهو استمرارية الزواج، حيث تتفق المبتعثة مع هذا الزوج الصوري على مدة معينة للزواج، مما يسقط استمرارية الزواج، وبالتالي يكون الزواج غير شرعي حتى إذا تم بطريقة شرعية.

ويضيف قائلاً: أحذر من لجوء الفتيات إلى هذا النوع من الزواج؛ لأنهن في النهاية سيعانين من مشاكل نفسيه عميقة وضغوط نفسية ثقيلة؛ لأن هذه الزواج غير مضمون العواقب ولأنه كان هدفه المصلحة منذ البداية وليس الاستقرار والسعادة، مما يجعلنا نتوقع أن تنهار كل الاتفاقات.

فيما بينهما من أجل تحقيق المصلحة، وهذا سيأتي بنتائج سلبية كثيرة، كما أن الفتاة بعد حصولها على الطلاق ربما تعتقد بأنها نجحت فيما وضعته من البداية، لكن بالطبع سيلحق بها لقب مطلقة، خاصة أننا في مجتمعنا هذا تلاقي المطلقات معاملة شبه قاسية من المجتمع، وسيسألها كل من حولها: لماذا تم طلاقك؟، حتى إذا كان الطلاق تم بإرادتها وباختيارها، فالمجتمع لن يرحمها لكونها مطلقة.

تحايل على الدين

تقول د.آمنة نصير، العميد الأسبق لكلية الدراسات الإسلامية، إن هذا الزواج الذي غرضه الأساسي هو تحقيق مبدأ السفر، وتحقيق شرط وجود محرم، يعتبر تجاوزًا عميقًا للشروط الأساسية للزواج الصحيح، وتضيف قائلة : ليس معنى أن الإسلام دين يسر، أنه بهذا يبيح أشياء محرمة أو أشياء تتحايل على الشرع، بل لا بد أن تسلك الفتيات طرقا أخرى لطلب العلم.

وأضافت أنه لا يجب الخلط بين طلب العلم، وهو شيء فرضه الرسول عليه الصلاة والسلام بقوله «طلب العلم فريضة على كل مسلم»، وبين إباحة مثل هذا النوع من الزواج الذي يحرمه الشرع؛ لأن غرضه ليس الاستمرار، كما أنه غير قائم على المودة، بل قائم على الماديات.

ولهذا يعتبر زواجًا صوريًا؛ لأن نهايته مسبقة العلم، وهي الطلاق بعد أن يصل كل من الطرفين إلى مصلحته التي ينتفع بها من الآخر، وتضيف قائلة: إن أفضل الحلول لمنع انتشار هذه الظاهرة هو إقبال الفتيات على زواج صحيح قائم على المودة، وأيضا لا بد من التربية الدينية والأخلاقية الصحيحة وعدم البعد عن الله عز وجل.