«التحليل الثقافي والاجتماعي للانتفاضات الشعبية العربية» ، كان محورا لحلقة نقاشية مهمة شهدتها أخيرا القاهرة بحضور عدد من الكتاب والمفكرين الذين قدموا مجموعة من الظواهر والتفسيرات الثقافية والاجتماعية حول هذا الحدث، ومنها ظاهرة الرحيل فوبيا، التوحد مع العدو، التوحد مع الضحية المماثلة، بالإضافة إلى الطابع السلمي الاحتجاجي المتطور في تشكيلاته ومطالبه، كإحدى السمات التي تميزت بها الانتفاضة.

وإن كان من أهم ما أكدته تلك الانتفاضة الشعبية، بحسب ما خلصت إليه الحلقة النقاشية، أن هناك أجيالا مثقفة نسبيا وقادرة على التواصل مع العالم على مستوى المعلومات وطريقة التفكير ومنظومة القيم، وهي أمور بدت واضحة في رغبتها في التخلص من نظام السلطة الأبوية ليس فقط رحيل مبارك وبن علي في مصر وتونس، بل أيضا اكتشافها رحيل الأب المتسلط في الشركات وقيام مجموعة من المظاهرات الثورية التي تطالب بإسقاط العمداء ورؤساء الجامعات.

وكما يذكر فؤاد سعيد، مستشار مركز الشرق للدراسات الإقليمية والإستراتيجية، في بداية حديثه، فإن الثورة كشفت عن أن هناك فارقًا كبيرًا بين جيلين جيل الكبار وجيل الشباب، مدللا على ذلك بعدم قدرة الكبار على تفسير وفهم كيف حدثت الثورة، بالإضافة إلى وجود فجوة معرفية بين هذه الأجيال، والتي بدت واضحة من خلال حالة القلق التي تنتاب جيلي الكبار والوسط على هذه الثورة على عكس شبابها الذين لديهم القدرة على التعامل مع المتغيرات ولا يشعرون بأي قلق تجاه ثورتهم.

 

الرحيل فوبيا

ومن الظواهر والتفسيرات الثقافية والاجتماعية الأخرى التي رصدها فؤاد، ما سماه ظاهرة «الرحيل فوبيا» تلك الحالة التي انتشرت في الشارع العربي كالنار في الهشيم- على حد تعبيره- لتؤكد أن هناك تكوينات متقاربة ومتشابهة في البنية الثقافية للمنطقة العربية كلها، مضيفا أن تلك الظاهرة تؤكد أن هناك أجيالا مثقفة نسبيا وقادرة على التواصل مع العالم على مستوى المعلومات وطريقة التفكير ومنظومة القيم.

وأشار إلى ظاهرة أخرى سماها ظاهرة «التوحد مع العدو»، حيث حدثت حالة من التعاطف المؤقت لشباب مصر مع السلطة الأبوية بعد الخطاب الثاني الذي ألقاه الرئيس السابق حسني مبارك، حيث نجح الخطاب نسبيا في أن يحدث شرخا في الرأي العام المصري، وإن لم يستمر وقتا طويلا.

 

التوحد مع الضحية

أيضا من الظواهر الأخرى التي أفرزتها ثورة 25 يناير ظاهرة «التوحد مع الضحية المماثلة»، والتي كانت جلية في ظاهرة التوحد الشبابي مع الشاب خالد سعيد الذي قيل إنه قتل على يد الشرطة، وقال مستشار مركز الشرق للدراسات الإقليمية والإستراتيجية إنها كانت ظاهرة عامة وليست حالة فردية، مدللا على هذا بتوحد بعض السلفيين مع الشاب سيد بلال الذي مات نتيجة تعذيبه بعد تفجير كنيسة القديسين، كما كان هناك حوالي ست حالات أقدمت على الانتحار وإن لم تكن تلقائية إنما كانت فيها بعض الانتهازية.

وأخيرا أكد سعيد أن الفقر وحده لم يكن سببا كافيا لقيام الثورة وإنما الفقر المخلوط بإهانة الكرامة كان السبب في معظم الحالات سواء في مصر أو في البلدان العربية الأخرى، وهذا يدل على أن هناك تحولا في التركيبة الذهنية والنفسية للمواطنين.

 

أدوات ثورية

وأبدى الكاتب حنا جريس، مجموعة من الملاحظات العامة التي تتعلق بالمهارات وقدرة الشباب على استخدام الإمكانات المتاحة لديهم، مشيرا إلى مهارة الإدارة التي يمتلكونها ومكنتهم من إدارة قدراتهم المختلفة، ومهارة التسويق التي تمكنهم من بيع السلعة للزبون وتحويل المجتمع كزبون، واستخدامهم سلعا عديدة منها (الفيس بوك) كإحدى الأدوات الثورية التي تدرس المجتمع الشبكي والعلاقات الأفقية بين أفراد المجتمع وبعضهم البعض.

مشيرا إلى مجموعة من الدراسات التي أجريت حول استخدام الإنترنت كأداة اتصال في المتغيرات المجتمعية، مستشهدا بأول رسالة ماجستير عام 1998 التي رصدت كيفية توظيف الإيميل في التغيرات التي حدثت في يوغسلافيا السابقة، وجيل الشات الذي يليه والذي وسع حجم التواصل لكنه كان بشكل مشتت غير قادر على حصر الموضوعات، إلى أن جاء الفيس بوك الذي أتاح استخدام الكتابة والتعامل مع الفيديو وتقسيم الموضوعات والمجموعات المتداخلة.. مؤكدا قدرة الشكل الشبكي على عمل إعلام بديل متكامل بعيدا عن الإعلام المركزي القديم.

ويؤكد جريس أن العالم العربي أمام جيل متعولم بشكل حقيقي في مجال المعرفة وإن كان البعض مازال غير مقتنع بأن هؤلاء الشباب لديهم أيديولوجية حقيقية، واستطاعوا تحريك الشعب تحت شعارات عناوينها واضحة، وكان الإنترنت جزءا من تكوينهم الثقافي.

 

أبعاد مختلفة

أما نبيل عبدالفتاح، الباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، فقدم الأبعاد المختلفة للانتفاضة الديمقراطية الشعبية التي حدثت في مصر يوم 25 يناير الماضي، مشيرا إلى مجموعة من الملاحظات التي تخص الجانب الإعلامي في المرحلة الماضية، راصدا مجموعة من المعالجات التي قدمت في هذا الصدد منها ميل بعض الإعلاميين، خاصة من أتباع النظام السابق، لتغيير أقنعتهم؛ فبينما كانوا يرتدون أقنعة النظام التسلطي، غيروا أقنعتهم سريعا وعادوا وبالغوا في وصف وتوثيق أحداث 25 يناير وتحويلها إلى ثورة كاملة ووصفها بالاستثنائية.

وأشار نبيل إلى الطابع السلمي الاحتجاجي المتطور في تشكيلاته ومطالبه، كإحدى السمات التي تميزت بها الانتفاضة، إلى جانب ارتفاع معدلات الضغط وسقف المطالب من وقت لآخر والبطء في الاستجابة لهذه المطالب، ما يدل على الشيخوخة الجيلية بين النظام وما يحدث في الشارع، نظرا لسوء الإدارة التي تمت من قبل النظام، والتركيز على فكرة الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان .

وأيضا طابع المحاكاة الساخرة في اللغة والنكات التي استخدمت كسلاح قاهر لاغتيال شخصية الحاكم والنظام وآله وأصحابه وأركان حكمه، وقدرتهم على توظيف المكان - ميدان التحرير - إلى أيقونة وسلع للبيع والشراء، بالإضافة إلى الطابع المشهدي المملوء بالشعراء والأغاني والأزياء والرقص تأثرا بالطابع المعولم ذي الطبيعة الثورية.