عشرات الصفحات على الـ«فيس بوك» تحمل أسماء وأفكارا غريبة، لعل أحدثها صفحة دشنها مجموعة من الشباب بعد نجاح ثورة 25 يناير بعنوان «اتجوز بجنيه واحد»، وهي فكرة تقوم على حث المناطق الشعبية والفقيرة في مصر على التفاعل مع المشروع من خلال دفع جنيه واحد عن كل فرد في الأسرة.
وفيما تفاعل قطاع كبير من الشباب مع الفكرة وانتشرت آراؤهم المؤيدة لها عبر المنتديات والمواقع الإلكترونية، أكد مؤسسو الصفحة سعيهم إلى توسيع الفكرة، والتي إذا تم تنفيذها، على حد تعبيرهم، يمكن إقامة أربع زيجات كل يوم، وقالوا إنه إذا كان عدد السكان في منطقة شعبية ما 700 ألف نسمة فإنه بعد استبعاد الصغار وغير القادرين نتوقع أن يكون العائد 500 ألف جنيه، حيث يأخذ كل واحد من الأربعة 125 ألف جنيه، منها 90 ألفاً ثمناً للشقة إضافة إلى 30 ألفاً للأجهزة والفرش و5 آلاف جنيه للفرح.
وفي الوقت الذي أشار فيه المؤسسون لصفحة «اتجوز بجنيه واحد» أنه إذا تمت الفكرة يمكن تزويج 120 شاباً في الشهر و1440 شاباً في العام الواحد، رأى علماء الاجتماع أن هناك استحالة في إمكانية تنفيذ هذه الفكرة عملياً، خصوصاً أن أغلب المصريين يتشككون دائما في مصداقية وصول التبرعات إلى أصحابها، إضافة إلى عوامل أخرى تعوق تحقيق الفكرة على أرض الواقع، أبرزها رفضُ المصريين للحصول على حقوقهم في شكل إحسان وتبرعات.
فكرة جيدة
وبسؤال الشاب أحمد الكومي، قال: إن الفكرة جيدة خصوصاً أنه ظل يحاول على مدى 6 سنوات أن يتزوج دون جدوى، نظراً إلى ضعف إمكاناته، ولكنه يشير إلى ضرورة بلورة الفكرة من خلال تأسيس جمعيات في كل المناطق المستهدفة، حيث تتكون الجمعية من ممثلين لها من كل الأحياء حتى يتمكنوا من جمع المبلغ وعمل قرعة شهرية للمتقدمين لتحديد الأولويات.
واتفق مع الكومي كثير من الشباب، الذين طالبوا بضرورة توصيل الفكرة لكل المصريين عبر الفيس بوك، أو أي وسائل أخرى، مشيرين إلى أهمية عمل دراسة جدوى لهذا المشروع، وإيجاد مصادر تمويل من جهات خيرية، لتكون الأرضية التي يقام عليه المشروع لحل مشكلة تأخر الزواج التي استشرت في أوساط المجتمعات العربية خاصة في مصر.
واقترح هؤلاء الشباب توسيع نطاق الفكرة، حيث لا تقف عند الزواج فقط، بل يكون هذا الجنيه في المراحل الأولى رصيداً لإنشاء مشروعات تدر دخلاً مستمراً، ويكون قابلاً للتوسع لمعالجة كثير من المشاكل الاجتماعية من ضمنها الزواج.
ما هي الضمانات؟
ورغم هذا القبول للفكرة، إلا أن هناك اتفاقاً بين أوساط الشباب والفتيات على ضرورة بلورة الفكرة بشكل عملي من خلال دراسات جادة ومقنعة حتى لا تجهض الفكرة في أولها، واقترحوا أن تتضمن الدراسة رأي الأسر التي ليست لديها بنات أو أبناء في سن الزواج، وهل هم على استعداد للمساهمة في هذا المشروع؟ وهل الأسر التي زوجت أبناءها من خلال المشروع ستواصل المساهمة؟ وما هي الضمانات؟ خصوصاً أن تراجع أعداد من سكان هذه المناطق عن الالتزام بدورهم تجاه المشروع سيخل بسير المشروع.
وقال سليمان محمد بخاري، أحد الذين سبق لهم الزواج ضمن مشروع للزواج الجماعي ضم 60 زيجة قبل 9 أعوام، إنه يرحب بهذه الفكرة، ولكن خطورة الفكرة تأتي من أمزجة الناس ومدى علاقاتهم الاجتماعية، وغير ذلك ظروفهم الاقتصادية التي قد تحول دون دفع جنيه يومياً، منوهاً أن المناطق المستهدفة أغلب سكانها دخلهم اليومي لا يفي بجزء من احتياجاتهم.
وأشار بخاري أنه عندما تزوج ضمن مشروع للزواج الجماعي كان المشروع قد أسهمت فيه جهات عديدة إضافة إلى بعض الميسورين من رجال الأعمال المؤمنين بالفكرة، وأضاف: ليس ما أقوله محاولة لبث الإحباط في نفوس هؤلاء الشباب، ولكن هناك الكثيرين من أهل الخير على استعداد لدعم هذا المشروع الذي يمكن أن يسهموا فيه، بجانب تبرعات السكان الراغبين في المساهمة حتى ولو بجنيه واحد، ولضمان هذا المشروع لابد من دراسة جيدة له والوضع في الاعتبار ضرورة استقطاب دعم من جهات أو شخصيات يسهل الوصول إليها.
غير صالحة للتنفيذ
وكان لعلماء الاجتماع رأي مخالف للفكرة، حيث تؤكد د. عزة كريم، أستاذة علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، أن الفكرة على المستوى النظري جيدة جداً، ولكنها غير صالحة للتنفيذ، وذلك نتيجة طبيعة الإنسان المصري الذي يتشكك دائماً في إمكانية وصول التبرعات لأصحابها وذلك فضلا على الظروف الاقتصادية المعقدة التي تجعل تنفيذ هذا المقترح على أرض الواقع في غاية الصعوبة.
وتضيف أنه من الصعب معالجة الحقوق التي يجب أن يحصل عليها المواطن في بلده بحكم القانون والدستور كحق العمل والسكن وهي الأسباب الأساسية التي تعيق مشروع الزواج في مصر عن طريق التبرعات والتكافل الاجتماعي، مؤكدة أنه لا يمكن أن يتم تنفيذ الفكرة إلا بعد الإصلاحات المنتظرة، وفي مقدمتها مشكلة السكن وتوفير فرص العمل، خصوصاً أنه إذا تمت المساهمة في زواج أي شاب بهذه الطريقة وهو عاطل أو في عمل غير مستقر، فهذا يعني انهيار الأسرة فيما بعد؛ ما يعنى أهمية أن نعمل على استعادة الحقوق وأن تقوم الدولة بدورها أولا.
