يقولون إن المرأة إذا أحبت تعبر عن مشاعرها بصدق، بينما الرجل يخفى مشاعره تجاهها باعتبار أن في التصريح بها انتقاصاً من رجولته واهتزازاً لكرامته أمام المرأة، على حسب اعتقاده.. والسؤال هنا: إذا لم يعبر الرجل عن حبه لزوجته فلمن يعبر إذن؟ وهل يعلم هذا الزوج مخاطر سلبية مشاعره وكيف يمكن أن تؤدى بزوجته إلى الشعور بأنه رجل غريب عنها ومن ثم طلب الطلاق؟.. تساؤلات عديدة نستعرض إجاباتها عبر السطور التالية.

يتفق علماء النفس والاجتماع بداية، أن ضخ المشاعر بين الزوجين باستمرار وإشعار كل طرف للآخر بالاهتمام كلها عوامل تؤدى إلى تقوية العلاقة بينهما، ولا يمكن لعاصفة مهما كانت قوتها أن تقتلع من قلبيهما الرحمة والأحاسيس الجميلة.. وفي هذا الصدد، تشير د. عزة حجازي، أستاذ علم النفس إلى أن هناك كثيرين في مجتمعاتنا العربية سواء من الرجال أو النساء يخفون مشاعرهم حتى ولو كانت مملوءة بالحب والمودة تجاه الطرف الآخر، وهذا يجعل من لحظات الخلاف الطبيعي الذي يحدث كل يوم في أي منزل أمرا يصعب احتواؤه، مما ينعكس سلبا على علاقتهما عندما يعودان إلى حياتهما الطبيعية.

وتستطرد قائلة: كلما كثرت الخلافات بين الزوجين فإن تواجد المشاعر الجميلة والقوية بينها والتعبير عنها باستمرار ينهى هذه الخلافات سريعا، بينما يحدث العكس في غياب تلك المشاعر الطيبة، حيث تحل الندية والعناد مكانها، وتبدأ المسافة تكبر وتبعد بين الزوجين.

وأشارت إلى أن غياب المشاعر بين الزوجين بمثابة بداية النهاية وليس بالضرورة أن تكون النهاية هي الطلاق، فحتى لو استمر التعايش بينهما تحت سقف واحد لتربية الأبناء أو لأن التقاليد العائلية ترفض مبدأ الطلاق أو لأي سبب آخر، ففي هذه الحالة يصبح الرجل غريبا عن زوجته.

عناد امرأة

وهنا نعرض لقصة أماني، وهي امرأة مطلقة تروى تجربتها قائلة: كنت صغيرة حين أقنعتني والدتي بأنه منقذ العائلة، وأنه حنون ويحمل مشاعر فياضة، لذلك رسخ في ذهني أن فارق العمر الذي يتجاوز العشرين عاما ليس مشكلة. وتستطرد: قبل الزواج بفترة قصيرة طلب أن يخرج معي فخرجنا وجلسنا في أحد المطاعم الكبيرة، كان يعاملني وكأنني دمية يختار لي ما أشربه وما آكله، فعندما جاء الجرسون وقدم لنا قائمة المشروبات طلب لي وله ليمونا، دون أن يسألني، وهذا ما حدث أيضا عندما طلب الطعام، ولكني لم أعترض، لذلك لم أشعر بهذا الرجل كصاحبي أو خطيبي، وبعد الزواج اختار كل شيء في منزلنا، ولو طلبت شيئا يأتي ليغيره، وعندما أختار لونا ما لملابسي أو إكسسوارات يسمعني ولا يقول لي لا، ولكنه يشتري عكس ما أريد.

وتتذكر أماني قائلة: تعبت من تجاهلي إياي، فواجهته بمعاملته، لكنه استخف بي ولم يلتفت، وأخيرا بدأت أعانده وأفعل ما أريد، ورغم أنه غضب وهددني إلا أنني لم أعبأ به؛ لأنني كرهته، وعندما أبلغت والدتي ضربتني ووبختني قائلة «بيتنا مفتوح من ماله»، وتحاملت على نفسي حتى طلب مني ذات مرة أن أعد له طعاما معينا في العشاء، فلم أهتم ولم أفعل ونمت، فجاء غاضبا وأخذني إلى منزل والدي وألقى عليّ يمين الطلاق.

زوجة: لم يحترم مشاعري

أيضا حالة مايسة تستدعي التوقف طويلا، هي من طبقة شعبية تعمل في أحد المصانع، رآها ابن صاحب المصنع وهو يعمل فيه نائبا للمدير فأعجب بها، وسألها في إحدى المرات عن اسمها ثم سكنها وظروفها فكانت صادقة معه، بدأ يهتم بها، وأخيرا طلب منها الزواج، فقالت له «هناك فارق اجتماعي كبير بيننا» لكنه أصر على رأيه، رغم رفض والده هذه الزيجة، حتى رضخ له لأنه ابنه الوحيد، تزوجها وخلال هذا الزواج حدث الكثير والمثير..

تقول مايسة: عشت عاماً كاملاً مع زوجي أراها من أجمل أيام حياتي، وبعد هذا العام بدأت مرحلة التحول في حياته.. غياب عن المنزل باستمرار، عدم اهتمام بي، سهر حتى الفجر.. وذات مرة سمعته يتحدث مع امرأة أخرى وهو معي في غرفتي، وجدته يرحب بها كثيرا، أطرى عليها مبديا إعجابه الشديد، كل ذلك أمام عيني، ثم اعتذر لها عن خروجه من عندهم مبكرا لارتباطه بموعد آخر..

تواصل الزوجة حديثها: جن جنوني، سألته من هي؟ لم يقبل سؤالي وتجاهلني، صرخت في وجهه؛ لأنه لم يحترم مشاعري، رد عليّ «أي احترام تريدينه أكثر من هذا الثراء الذي لم تكوني تحلمين به»، صعقت ولم أستطع أن أكمل كلامي معه وظللت أبكي طويلاً، لم يعرني اهتماما، حيث بدأ مكوثه في المنزل لا يتجاوز الساعتين يقضيهما بالكامل في النوم ليصحو ويخرج إليها، بدأت المشاكل وعندما ضغطت عليه بشدة، رد عليّ ببرود قائلا «يكفي أن كل أهلي يعيرونني بزواجي منك، وأنا الآن أعيش قصة حب مع واحدة من طبقتي، دعيني أعيش حياتي وأنتِ تعيشين في رخاء، وحتى أهلك ينالهم من الحب جانب»..

تضيف مايسة: طلبت منه الطلاق، لكنه خرج وعاد في الفجر ثم أعطاني ورقة أتنازل فيها عن كل شيء، وبالفعل وقّعت على الورقة؛ لأنه استفزني، رغم أنني كنت أتوقع أنه قصد أن يضغط عليّ ويخيفني- ظنا مني بأنه يحبني- ولكنه للأسف طلب مني في نفس الليلة أن أخرج معه فخرجت وتوقف بالسيارة أمام منزل أسرتي، وقال لي «أنتِ طالق»..

وتواصل: لم أبكِ هذه المرة؛ لأنني عشت معه عامين آخرين بعد العام الأول في منزل ليس فيه ذرة من الحب أو همسة مشاعر، كان الصمت يلف المنزل، وحتى في فراش الزوجية لم أشعر بأن له رغبة في ضمي إليه، ومن هنا أدركت أن الحياة بلا حب لا معنى لها، وأدركت أيضا حجم الخطأ الكبير لعدم الاهتمام بمسألة التكافؤ والبحث عن تاريخ وسمعة الزوج الذي يفترض أن أرتبط به.

لحظات الحب والاختلاف

إلى هنا يؤكد د. هاشم السعيد، أستاذ علم الاجتماع، أن التعارف الحقيقي يفترض أن يبدأ قبل الزواج، ومن خلال رصد كلا الطرفين طبيعة الطرف الآخر ومدى التوافق بينهما في الطباع والمزاج، حتى يصلا إلى حد معقول يسمح لهما بالارتباط، وكذلك لابد من السؤال عن أحوال وطبيعة أسرة كل منهما.. فهذه كلها أشياء مهمة يمكن أن تحدد ملامح المستقبل..

ونوه السعيد بأن معرفة أخرى تبدأ في السنوات الأولى للزواج من خلال رصد المتغيرات التي تحدث في الزوج أو الزوجة، خاصة أن فترة الخطوبة هي الفترة التي يحاول خلالها كل منهما أن يتجمل ولا تظهر فيها العيوب الحقيقية لأي من الطرفين، ولكن بعد الزواج يتعامل الطرفان بطبيعتهما سواء في لحظات الحب والمشاعر الجميلة، أو في حالات الخلافات والاختلافات، وفي هذه الفترة يمكن لكل منهما محاولة تغيير الآخر أو التكيف مع بعض العيوب الموجودة أصلا، ومن هنا يستطيع الطرفان أن يتعاملا من دون حساسية، وأضاف: لكن للأسف الزواج في السنوات الأخيرة أصبح يتم من دون الاهتمام بالمعايير المهمة مثل التكافؤ الثقافي أو الاجتماعي.