«لولا اختلاف الأذواق لبارت السلع».. مقولة شهيرة نرددها عند تزايد الخلافات بين كثير من الناس حول الألوان التي يحبونها، ورغم أن هذا ربما يكون أمرا طبيعيا باعتبار أن الكل حر في رأيه، إلا أن المشكلة تكمن عندما يجد اثنان نفسيهما مجبرين أن يكون رأيهما واحدا وهما الزوجان، فهما قبل أن يلتقيا كان لكل منهما رأيه حول الألوان التي يفضلها،.

ولكن بعد الزواج قد يتحول الخلاف حول ألوان الستائر أو طلاء الجدران أو لون الأثاث إلى معركة، مثلما فعلت سها مع زوجها عندما قررت إحضار ستائر بلون (بيج) رغم أن المنزل مطلي باللون اللبني، وكان اعتراض الزوج ينصب على عدم تتطابق لون الستائر مع لون الحائط.

ولكن المفاجأة كانت في أن الزوجة أصرت على تغيير طلاء جدران المنزل من جديد رغم ضيق الحال، وكانت معركة حقيقية انتهت بالطلاق.

ويجمع علماء النفس وأساتذة الاجتماع، على ضرورة الاستماع للطرف الثاني بشكل جيد في مثل هذه الحالات، ، وقالوا ربما لا يعجب أحد الزوجين للون أو الفكرة التي يطرحها الطرف الآخر من أول وهلة، ولكن قد ينبهنا الرأي الآخر بأشياء لم ننتبه لها أو كانت غائبة عنا.

معاناة أسرة

سامية لا يعجبها العجب.. هكذا قال زوجها فاروق، ويضيف: أي لون أقوم باختياره لا يعجبها، حتى عندما اشتريت سيارة جديدة وقفت تنتقد لونها، حتى أصبت بالإحباط، ولكن هذا حالها.. واستطرد الزوج، لم أجد حلا تفاديا للمشاكل إلا أن أترك لها اختيار كل شيء في المنزل: السيراميك، الستائر، ألوان الجدران والسجاد.. كما تريد، ولكن المشكلة أنها أصبحت تفرض على الأولاد أن يختاروا ألوان ملابسهم وفقا لوجهة نظرها فقط.

ويضيف: ذات مرة ذهبنا لشراء ملابس للأولاد، وكنت أكثر إصرارا على أن أترك للأولاد اختيار ألوان ملابسهم وأشيائهم..، لكن زوجتي غضبت ورفضت أن يختاروا بأنفسهم، وعادت إلى المنزل غاضبة بدوننا، مما دعانا أنا والأولاد للعودة إلى المنزل بعدها دون أن نشتري الملابس..

ويستكمل الزوج: في مرة أخرى اشتريت بذلة جديدة وقد أعجبني لونها وهو اللون الذي أعرف أنه لا تحبه مطلقا، وعندما عدت إلى المنزل اضطررت للكذب، وقلت لها إنها هدية من صديق لي، ورغم ذلك أصبحت تهتم بتنظيف ملابسي الأخرى حتى لا أضطر للبس تلك البذلة.. المهم أنني أعاني والأولاد يعانون، ولكن ماذا نفعل؟!

نزعة ديكتاتورية

لكن قصة هناء أغرب من الخيال، حيث قالت: تزوجت زواجًا تقليديًا، ورغم أنني جامعية، إلا أن زوجي لم يحصل على الثانوية، فهو تاجر لديه نزعة ديكتاتورية وفيه شيء من العناد، كل شيء لا بد أن يختاره هو بدون نقاش، مع العلم بأنه لا يتمتع بأي ذوق في اختيار الألوان.. وتدلل هناء على ذلك بقولها: أذكر أننا اشترينا شقة جديدة كان يقوم بالإشراف على تشطيبها؛ لأنه لا يسمح لي ولا للأولاد بالذهاب لمتابعة التشطيبات، وعندما قررنا الرحيل إلى الشقة الجديدة كدت أصاب بصدمة شديدة، لا تناسق ولا اختيار سليم للسيراميك ولا لألوان النوافذ والستائر ولا حتى لألوان الجدران، وحينئذ أبديت رأيي في اختيارات الألوان لكل ما في الشقة.. ويا ليتني لم أقل، فقد غضب وحسم الأمر بأنه صاحب الشقة وصاحب القرار..

تكمل الزوجة: لم يكن أمامي إلا الاتصال بوالدتي فهو يعمل لها ألف حساب وبالفعل بمجرد دخولها صرخت غاضبة وأصرت على تغيير أشياء كثيرة، ووافق زوجي ولكنه لم ينفذ، وبعد أيام جاءت والدتي لزيارتنا فلم تجد أي شيء تغير، طلبت مني أن أحزم ملابسي وغادرنا أنا وأولادي إلى منزل والدتي، وبعد شهرين عاد زوجي وطلب مني أن أتفاهم مع المهندس والمقاول لتغيير ما أريده، وبالفعل غيرت كل شيء وعدت إلى منزلي بعدها.

خبراء الإتيكيت

الزوجة التي تصر على أن يلبس زوجها على ذوقها مخطئة.. هذا ما أورده خبراء الإتيكيت، مؤكدين أن البذلة الشيك التي تناسب الرجل لابد أن تحمل الألوان الداكنة مثل الكحلي والرمادي الغامق أو الأسود، باعتبار أن هذه ألوان أكثر تعبيرا عن الجدية والسلطة والقوة، بينما ألوان أخرى قد تقترحها الزوجة مثل اللون البني ودرجاته الفاتحة لا تتماشى مع مظهر الالتزام الذي يجب أن يكون عليه زوجها.

لكن سلوى، كانت أكثر عقلانية، حيث أكدت أن زوجها في بداية حياتهما كان أكثر تمسكا برأيه في أمور كثيرة تتعلق بألوان احتياجات المنزل مثل غرفة النوم والسيراميك والستائر وطلاء الجدران، وحتى الأدوات الكهربائية كان يتدخل في اختيار ألوانها، وقالت: كنت أتركه يختار، ولكن قبل موعد الشراء كنت أتحدث معه طويلا حول وجهة نظري وكنت اختار دائما الظروف المناسبة والوقت المناسب الذي أتحدث معه حول ذلك، وكان في أغلب الأحيان يستجيب، حتى بدأ يترك لي الاختيار، ومع ذلك كنت دائما أرفض أن يترك لي الاختيار وحدي وأصر على مناقشته..

تواصل سلوى: الآن أصبحنا متفاهمين ومتوافقين في كثير من اختياراتنا، ومن واقع تجربتي أقول أن الرجل يحتاج إلى طريقة معينة لمحاورته في موضوع خلافي حسب شخصيته، فهو طيب لكن على الزوجة أن تعرف مفاتيح شخصيته وتغذى فيه لغة الحوار باختيارها للوقت المناسب واللغة المناسبة في مثل هذه الحالات.

إصرار على الصحيح

وتروى منيا تجربة أخرى مع الألوان: ابني الوحيد مدلل جداً، فقد أصبح يفرض رأيه في كل شيء ومضى إلى أبعد من ذلك، حيث بدأ يتدخل في شئون اختيارات مستلزمات المنزل وهو لم يبلغ التاسعة عشرة.. ورغم أن زوجي لا يهتم بقضية الألوان، إلا أنه ينحاز إلى ابنه في كل الحالات.. وتسرد واقعة، قائلة: عندما قررنا تجديد المنزل من طلاء للجدران والستائر والسيراميك أصر ابني على ألوان غير متناسقة، رغم أننا لم نسأله بشكل مباشر، وأصر والده على أن نفعل ما يقوله وننفذ رغبته، وقالها لي فيلافي النهاية كل ذلك سيئول لها..

تضيف: لم أقتنع فأنا في منصب كبير وزوجي في وظيفة مرموقة وضيوفنا كثيرون ومن أوساط راقية، ولابد أن يكون المنزل متناسقًا.. ولكن زوجي أصر على رأيه وأقسم أن أفعل ما يريده ابننا حتى ولم يكن هناك توافق، فأصررت أنا أيضا على رأيي، خاصة أن الابن لم يصل إلى النضج الذي يقرر فيه بشكل نهائي، وتركت المنزل وذهبت إلى منزل والدي وقصدت من ذلك أن يعلم زوجي أن تربية الابن بهذه الطريقة ستكون خطرا على مستقبله، وبالفعل نجحت في توصيل الرسالة لهما.

تربية الألوان تبدأ من الطفولة

وهنا تشير الخبيرة النفسية د. فاطمة على أن مثل هذه المشاكل تنجم نتيجة عدم الاهتمام برسوم الطفل في مراحله الأولى.. لافتة أن الطفل منذ نعومة أظافره يختار ألوانه، ومنها يمكن للآباء أن يكتشفوا قدرته على الخيال وحالته النفسية، وكذلك الطفل يستمد تعبيراته وألوانه من عالمه الخاص، وهي من الممكن أن تكشف عن جوانب مهمة تتعلق بنمو الطفل، وأن تحدد مستوى النضج العقلي للطفل..

وتضيف: إن الاهتمام بالألوان التي يختارها الطفل ليس لمتابعة الطفل نفسيا فقط، ولكن حتى الكبار اليوم تتشكل سلوكياتهم في مرحلة الطفولة، وكذلك الذين أمامهم مستقبل إذا كان الاهتمام كبيرا باختياراتهم منذ الطفولة سيشبون أسوياء ويتعاملون مع الأشياء عامة بتوازن شديد عندما يكبرون، لافتة أن مشكلة أب لا تهمه الألوان أو ابن لا يعرف التوافق بين الألوان هو أمر ناتج عن عدم الاهتمام بهؤلاء وهم أطفال في مثل تلك الجوانب.