كثيرا ما تجد فتاة جميلة في العشرينيات من عمرها أرملة، ولديها عدد من الأطفال.. وأغلب هؤلاء من الأرياف والقرى المصرية في أطراف المدن، تحرص أسرهن على تزويجهن في سن مبكرة تحت شعار يرفعونه «سترناها».
لكن في المقابل لا تعلم هذه الأسر حجم المعاناة التي تعيشها هذه الأرملة، حيث تصبح الخيارات أمامها صعبة، فإذا أرادت الزواج لتحمي نفسها من الفتنة أو كحق شرعي لها، فعليها التخلي عن الأبناء لأن أسرة زوجها الراحل لن تسمح لها في أغلب الأحيان بالاحتفاظ بأولادها عند زواجها، كذلك لن يوافق الزوج الجديد على قبول إقامة أبنائها من زوجها الأول معها، وبذلك تفقد الأولاد إذا تمسكت بالزوج.. وحتى إذا وافقت لها أسرة زوجها المتوفى بالزواج وقبل الزوج ببقاء الأولاد معها فلن يحتملهم ف ترة طويلة وقد يكون ذلك بداية لإنهاء علاقة زوجية لا تستمر طويلاً، غير أن المعاناة الكبرى هي نظرة المجتمع لتلك الأرملة وهى في سن صغيرة وجميلة حيث يراقبها ويحسب خطواتها وكلامها، وغالبا تكون مطمعا لكثير من الشباب..«الحواس الخمس» فتح هذا الملف الشائك عبر قصص واقعية.
أسماء، امرأة في سن الـ 27 عاما، تزوجت وعمرها 16 عاما، وأنجبت 4 أطفال توفي زوجها منذ عام ونصف العام في حادث مروري، أكبر أطفالها عمره 9 سنوات ولديها ثلاثة آخرون أصغر منه، طلب منها والد زوجها أن تبقى معهم في منزلهم وهو مؤسس من ثلاثة طوابق، خصص لها شقة في الطابق الأول، تقول: عشت ثلاثة أشهر من أشقى أيام حياتي، حيث لم يكن مسموحا لي بفتح باب الشقة وغير مسموح لأحد بزيارتي إلا أهلي فقط، فضلا عن أنه ممنوع عليّ الاختلاط».
تضيف: أثناء إقامتي في منزل أهل زوجي، تحدث معهم أحد معارفهم عن رغبته في الارتباط بي لتربية أولاد زوجي المتوفى، فحذروه من هذه الخطوة، وبعدها تحدثت مع والد زوجي الراحل ووالدته برغبتي بالذهاب والإقامة مع أهلي فرفضا بشدة، وعند إصراري هدداني بأخذ الأولاد مني، فصبرت لأفاجأ بعدها بأنهما اختارا لي شقيق زوجي المتزوج وهو غير متعلم ودخله لا يكفي زوجته الأولى أصلاً ويعمل في مجال البناء بينما كان زوجي جامعيا ويعمل في وظيفة جيدة، فرفضت».
تستطرد: هما كانا يقصدان قطع الطريق أمامي إذا فكرت في الزواج من شخص غريب، وعندما بدأت أتمرد عليهما وأتحداهما، أشاعا عني بأنهما يشكّان بأن لديّ علاقة مع شخص آخر، وهنا قررت الفرار ومعي أولادي دون أن أخبرهما وذهبت إلى أهلي ولكنهما لم يتركاني في حالي، فأصبحت محاصرة لا أستطيع أن أتزوج برغبتي ولا أعيش حياة طبيعية حتى مع أهلي، وأمامي مسؤولية كبيرة لتربية الأبناء بعد أن رفع أهل زوجى يدهم عنهم.
ويقول الدكتور محمد رأفت عثمان، أستاذ الفقه المقارن، إن الأرملة امرأة لها احتياجاتها الغريزية مثل البشر، ولكن تلك النظرة التي تمتد إشفاقا عليها تجدها فجأة تتحول بكل أسف لدى البعض إلى اتجاه عكسي بمجرد أن تفكر في الزواج رغم أنه حق شرعي لها كفله لها الإسلام، مشيرا إلى أن هذه النظرة الخاطئة تتنافى مع الفطرة الإنسانية السليمة ومع المنطق الذي يتطلب بالضرورة أن يكون مع المرأة رجل يحمل عنها أو يخفف عليها حملها ومسؤولياتها، وللأسف إن أهل زوجها يعملون بكل قوتهم لحرمان أرملة ابنهم من الزواج، وأكثرهم يعمل أيضا على حرمانها من الميراث.
وتعلق الباحثة الاجتماعية رشا عبدالستار: للأسف إن المرأة في مجتمعاتنا ينظرون إليها بشيء من الشفقة الممزوجة بالخوف، وإذا فكرت في الزواج الثاني يتحول ذلك الشعور الغامض إلى تفكير جارح لموقفها، لأن البعض يرى أن الأرملة لا بد أن تتفرغ لتربية أولادها لكنهم ينسون أن الإنسان كائن حي له حاجاته، والأرملة ليست استثناء من ذلك، ومن حقها ممارسة كل حقوقها، ومنها الزواج الثاني.
ولكن الدكتور شوكت عبدالعزيز، أستاذ علم النفس، يؤكد أن الوضع النفسي والاجتماعي للأرملة لا يكون دائما طبيعيا، ولذلك تحتاج إلى دعم نفسي من الأهل والأقارب بشكل خاص لتقوية عزيمتها لمواجهة الحياة والوقوف معها لمعالجة أي مشكلات تحدث بينها وبين أسرة زوجها الراحل من أجل استقرار حياة الأبناء، وكذلك البحث عن مصادر متعددة للرعاية المالية لأبنائها إذا كانوا أيتاما، وهذا سيوفر لهم استقرارا نفسيا واجتماعيا؛ حتى يشبوا أسوياء غير ناقمين على مجتمعهم، وكذلك على المجتمع أن يسعى للعمل على توفير رعاية معنوية ونفسية لأبناء الأرامل.
