كثيراً ما نسمع عن شخص يعاني من وسواس قهري ويمكن أن يكون أحد نجوم المجتمع أو من كبار الشخصيات.. لكن في أوساطنا الاجتماعية هناك الكثيرون الذين يعانون من هذا الوسواس بدرجات متفاوتة، حيث تصل درجة الوسوسة لدي بعضهم لعدم الاختلاط بأقرب الناس إليهم إذا كانوا يحملون مرضا ما خوفا من انتقال العدوى إليهم، فيما يمارس البعض الآخر قدرا كبيرا من المبالغة في تقييم الأشياء، في الوقت الذي يقول فيه علماء النفس بأن الوسواس القهري مرض نفسي يبدأ قبل سن المراهقة، وهو نوع من التفكير غير المفيد يلازم الإنسان المعني ويحتل جزءا كبيرا من وعيه وشعوره.. تفاصيل أكثر عبر السطور التالية.
«طاهر محمود» شاب في الثلاثينات من عمره أشار أن صديقه المقرب منه يعاني من مرض الوسواس القهري، وقال: عندما نركب الأتوبيس أجده يحمل مناديل ورقية يمسح يده بها كل دقيقة متوتراً، وبعد نزولنا في أقرب مكان يغسل يديه كثيراً، يتحدث أحياناً عن التلوث وأحياناً أخرى عن الميكروبات في كل ما يلمسه بيديه وحتى عندما نأكل في المحلات أجده متوتراً يطلب من البائع ألا يقرب يديه من الطعام ويأكل بطرف أصابعه اعتقاداً أن يديه تحمل ميكروبات، وإذا شعر بمجرد صداع بسيط يلجأ لكثير من الأطباء ولا يقتنع بما يكتب له من دواء ويشكك في التحاليل.
سمات قهرية
وتعلق د.مها وصفى، أستاذة الطب النفسي، قائلة: مثل هذه الحالة تعبر عن سمات قهرية، وهي درجة أخف من الوسواس القهري، وتعنى السلوك المتكرر لهذا الشخص الذي يجعله يشك في كل شيء، فإذا أراد أن يخرج من المنزل وقف طويلاً فيفتح دولاب ملابسه مرات عديدة، وعندما يخرج يغلق الباب ويعود قبل أن يتحرك ليفتحه عله نسي شيئاً أو أنه ترك الأنوار مضاءة رغم تأكده في المرة الأولى من إطفائها، ويفكر كثيرا في حالته هذه وهو يدرك أنه يتصرف بشكل خاطئ، ويضايقه ذلك، خاصة أنه يحس أحياناً بأنه غير طبيعي.
عزلة
ويعانى أحمد شاب في الأربعينات من وسواس خطير، حيث تزوج أخيراً من مطلقة وهو يعلم أنها كانت تحب طليقها بجنون قبل الطلاق. يقول أقرباؤه إنه يشك في كل تصرفات زوجته، خاصة بعد أن تفاهمت مع طليقها في تسوية كل الأمور بود شديد، فإذا تحدثت في التليفون يكون متوتراً، ويمارس حياة غريبة جداً فإذا صلى إما أن يعيد الصلاة أو يصلي صلاة السهو، وقلما يُتمّ صلاته دون أن يعيدها، ويحمل فوطة يضعها أمامه ليمسح كل الكراسي وجهاز الكمبيوتر والتلفزيون، ولا تمضي دقائق إلا ويعود لنفس العمل مادام موجودا في المنزل، وفي الفترة الأخيرة ظل يميل للعزلة وعدم التحدث مع الآخرين كثيراً.
إعاقة تامة
ويرجع الطب النفسي هذه الحالة لفقدان المريض القدرة على السيطرة على أفكاره وهو يدرك أنها غير صحيحة، وتشير د. مها وصفى إلى أن المشكلة تظهر عندما يكرر الشخص أفعاله كثيراً، وذلك يرجع إلى أنه دائما ما يكون مشغولاً بالتفكير حول أشياء يمكن أن تكون مقلقة ومربكة، وقد يكون سبب التفاهم الذي تم بين زوجته مع طليقها حول استحقاقاتها المتأخرة بود وتسامح- قد أثر عليه وجعله يفكر في هذا الأمر الذي يحتل جزءا كبيرا من تفكيره ، وقالت إن هذه الأمور قد تقود إلى إعاقة تامة للمريض عن ممارسة حياته الطبيعية.
حالة مرضية
إسلام صاحب مكتب شحن اعترف قائلاً: بالتأكيد أنا أعاني من حالة مرضية، فأنا أصبحت محرجاً أمام من أتعامل معهم، فلو سلم عليّ أحدهم تجدني أنسحب لأغسل يديّ بالصابون وحتى الديتول أضعه أمامي وأحياناً عندما أذهب إلى مكان أفضل السلام شفاهة وليس باليد وإذا ركبت مترو الإنفاق أو أتوبيسا يأتيني هاجس بأن الماسورة الطويلة التي يطلقون عليها فيلاالشماعةلالا قد لمستها أياد كثيرة لا أقربها رغم خطورة الوقوف بدون أن أمسك بشيء وأنا واقف، ولكني أحيانا أضطر لذلك ومتى نزلت من أي مركبة تجدني أهرول لأقرب مكان فيه مياه وأغسل يدي حتى يمل الذين معي، ولا أكتفي بذلك بل أعود للمنزل أو المكتب وأعيد غسلهما بالصابون والديتول، وأكون قلقا جداً خوفا من أن يأتي أحد من أتعامل معهم ويسلم عليّ لأنني سأقوم بإعادة غسل يديّ مرة أخرى، وعندما سألناه: لماذا لا يلجأ للطب النفسي؟ استغرب من ذلك واعتبرنا نسيء إليه، ورد قائلاً: هذه حالة لا علاج لها والطب النفسي في مفهوم الناس أنك تعاني من مرض نفسي أو عقلي، وأنا لست كذلك.
التشخيص المبكر
ولكن د. عبدالرؤوف الضبع، أستاذ علم الاجتماع، قال إن هذا المرض يستمر مع الإنسان ولكن أحياناً تخف أعراضه لافتا أن مجتمعنا العربي فيه الكثيرون الذين يعانون من هذه الحالة رغم أن النسب المطروحة لأعداد هؤلاء من 2 إلى 3٪ وهو رقم قابل للزيادة أو النقصان حسب الظروف الحياتية اقتصاديا واجتماعياً..
وقال إن عدم استعداد كثير من الذين يعانون من هذه الحالات للجوء للطب سلوك ليس بغريب ليس في مصر وحدها بل في كل دول العالم الثالث، فهؤلاء يظنون أن اللجوء للطبيب النفسي قد يصمهم بمرض عقلي، مع أن هذا المرض يمكن علاجه بالأدوية من خلال مضادات الاكتئاب، أو من المجتمع المحيط خاصة الأسرة بالدعم الوجداني والنصائح التي تقدم للمريض ومحاولة إزالة أي آثار خلافية أو مشكلة محددة قد تكون سببا مباشرا في تعرض المريض لهذه الحالة.
ويضيف أن الإنسان الذي يعاني من هذه الحالة يمكنك أن تشعر بحالته إذا كنت ملازما له في أوقات كثيرة، مثلا إذا تحدثت معه عن مرض أصابك تعاني منه فتجده يسألك كثيراً عن الأعراض ظنا منه بأن هذا المرض سيصيبه، ومن أكثر الذين يصابون بهذا المرض الرجال غير المتزوجين والمطلقين أو الذين يعانون توتراً في حياتهم الزوجية، حيث أكدت دراسات حديثة أن أكثر من 25٪ من الذين يعانون من هذا المرض هم الذين يتميزون بسمات قهرية.
وما يؤكد ذلك حالة عبدالرحمن الذي أشار إنه لا يزور أي مريض وكل أهله ومعارفه يعذرونه لأنه عوّدهم على ذلك، وقال: ألتقط العدوى بسرعة شديدة، ولذلك أنا أحافظ على نفسي، ولا أجامل أحدا على حساب صحتي، رغم أنني أعلم أن ليس كل مرض يمكن أن يسبب العدوى، وأشار إلى أنه عندما يزور الطبيب يجلس خارج العيادة لأن لديه اعتقادا أن هؤلاء المرضى المنتظرين يمكن أن ينقلوا إليه مرضا لا يتوقعه، وقال: إذا أصيب أحد أفراد الأسرة، ولو بنزلة برد، فهو يبقى عند أحد أصدقائه ويتواصل مع أسرته بالتليفون.
هذا وتشير الأبحاث ذات الصلة أن التشخيص المبكر لمرض الوسواس القهري يساعد كثيراً في متابعة الحالة وكشفها، وأكدت أن إهمال المرض يعني تطوره لدرجة تؤذي المريض به جسدياً.
