الأوضاع التي شهدتها مصر أخيراً تضررت منها كل المهن والأعمال الخاصة وحتى التي نطلق عليها «مهن هامشية»، ولكن استوقفني مشهد مؤلم عندما رأيت أحد ماسحي الأحذية يطلب مساعدة من أحد الشباب في وسط القاهرة ثم تقدم نحوي، فسألته: أنت تعمل، فلماذا تتسول؟ فرد عليّ بثقة كبيرة قائلا: نحن دخلنا كبير ولا نمد أيدينا، ولكن الأوضاع هذه الأيام أوقفت حالنا، ونحن نعمل لنعيش حياة كريمة، ولكن إذا توقفنا يوما واحدا لن نجد ما نأكله في هذا اليوم فما بالك ونحن توقفنا عن العمل منذ 25 يناير الماضي، وهو موعد بدء التظاهرات التي شهدتها القاهرة ومحافظات أخرى وما ترتب عليها من فرض حظر التجول على الشارع.. تفاصيل أكثر عبر السطور التالية.

كل مهنة مهما كان تواضعها لها فلسفتها وأسرارها، وقد ينظر البعض إلى مهنة ماسح الأحذية كمهنة هامشية رغم أهميتها، وتعد إحدى الخدمات التي يحتاجها المواطن في أي بلد، وفي مصر مهنة ماسح الأحذية لها أسرارها ولها دهاليزها وخفاياها، فعندما تجلس في أحد المقاهي العامة لا بد أن تجد واحداً من ماسحي الأحذية يجلس في ركن قصي وأمامه عشرات الأحذية التي تنتظر طلاءها بالورنيش، أو تجد غيره على نواصي الشوارع الكبيرة والمهمة في انتظار زبون يطلب طلاء حذائه، وما يلفت النظر أن هذه المهنة استقطبت كثيرا من النساء والفتيات اللاتي تجدهن يجلسن ويتعاملن مع المهنة بحرفية عالية، والغريب أن هؤلاء شكلوا لوبيات غريبة يحتلون من خلالها أماكن معروفة لكل مجموعة، وغير مسموح لأحد من خارج هذه المنظومة اختراقها وإلا سيواجه عنفا من أبناء المنظومة لا يستطيع مواجهته، ويمكن أن يستخدموا فيه كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة للدفاع عن أماكنهم الاستراتيجية.

 

وقف الحال!

ولكن منذ اندلاع التظاهرات التي تنادي بالإصلاح في مصر، تتضاعف معاناة الكثيرين من ماسحي الأحذية ليس الذين كانوا ينتشرون في ميدان التحرير فقط ـ معقل التظاهرات ـ بل في كل الأماكن في قلب القاهرة التي تجمع أغلبهم، حيث لم يعد أحد يفكر إلا في شيئين إما المشاركة في التظاهرات أو الهروب إلى منزله والبقاء فيه، وبالنسبة للأماكن الآمنة التي لا تشهد توترات أغلق أصحاب المحلات والمقاهي محلاتهم خوفا من التخريب أو الاعتداء عليهم، وهذا جعل المواطن لا يزور وسط القاهرة كالمعتاد، فضلا عن أن حظر التجوال اليومي جعلهم أشبه بالعاطلين.

كثير من هؤلاء يأتون من أطراف العاصمة أو الأقاليم، فبعد أن يضيق بهم الحال يلجأون لأسهل مهنة وهى مسح الأحذية التي لا تحتاج لرأس مال أكثر من خمسين أو ستين جنيهاً، منها صناعة الصندوق وتوفير الاحتياجات اللازمة، لكنه يصطدم بواقع غريب بعد أن يجد كل المنافذ أمام المقاهي ونواصي الشوارع محجوزة لمجموعات أشبه بالعصابات وإذا أراد أن يعمل فعليه أن يدفع الإتاوة للمحتكرين لهذه الأماكن.

خاطر.م.ن ماسح أحذية قال: أنا الآن عاطل عن العمل بسبب المظاهرات، ولكن بعضنا فكر في النزول إلى شوارع الأحياء ربما يجد رزقه وسننتظر حتى يفيدنا هؤلاء عن تجربتهم، وقال خاطر عن قصته مع المهنة «أنا منذ عامين حضرت أبحث عن صديق لي سبقني للقاهرة للعمل في مهنة مسح الأحذية لكني لم أجده، فاشتريت الصندوق وبعض علب الورنيش بمساعدة من خالي وجلست على أحد أركان المقاهي صباحا ولم تمض نصف ساعة حتى وجدت أحدهم يعتدي عليّ بالضرب بقدمه بقوة وصادر صندوقي لأنني جلست في المكان المخصص له، ولم أكن أدري أن الأمر يحتاج إلى إذن، لكنه أصر على مصادرة صندوقي الخاص وبعد تدخل العديد من المارة وافق على إعادته لي على أن أتعهد بألا أعود إلى هذا المكان، وظللت أحمل صندوقي تائها وهائماً في الشوارع، وكلما اخترت مكانا تعرضت لإرهاب شديد وأخيراً عرفت سر المهنة بعد أن سلمت أمري لإحدى هذه المجموعات التي ظللت أعمل تحت مظلتها ولكن عليّ أن أورد المبلغ وآخذ نسبة من عملي.

 

أمام محطة الإسعاف

وأمام محطة الإسعاف ـ القريبة من ميدان التحرير، تجلس امرأة في الثلاثينات من عمرها وهي تمسك بالفرشاة لطلاء الأحذية يهابها الجميع، لها سطوة وقوة عجيبة قالت: أنا اسمي منى أعمل في هذه المهنة منذ 7 سنوات مع زوجي وعندما جلسنا في هذا المكان جاء أحدهم ليطردنا، فرفضنا الخضوع له وحدثت مشاجرة كبيرة كادت تصل إلى الشرطة لولا تدخل المارة وأحد رجال الأمن الذي هددنا بأننا إذا كررنا ذلك سيقودنا إلى القسم، وفي اليوم التالي استدعينا شقيق زوجي الذي جاء ووقف معنا ودخلنا مرة أخرى في معارك طاحنة جداً مع آخرين، كلّ يحاول أن يستولي على هذا المكان أو يدعي أن المكان مكانه وهو مكان جيد ومهم لكننا صمدنا وأصبح المكان لنا ولا يستطيع أحد الاقتراب منه من الزملاء، وسألناها: هل شاركت في هذه المعارك؟ فردت: أنا لا أخاف وأضرب بكل شيء؛ لأن هذا المكان ملك الحكومة ولم نجد فيه أحداً عندما حضرنا إليه، واليوم أصبحنا معروفين لديهم وجاء البعض وطلب العمل في هذا المكان وجلسوا بشروطنا بأن يعملوا في نفس المكان ولكن تحت إشرافنا بأن نتسلم كل المبالغ التي يحصلون عليها من عملهم ونعطيهم جزءا ونأخذ الجزء الأكبر.

لكن عبدالرحيم، طالب قادم من الصعيد، قال: حضرت إلى وسط البلد للمشاركة في التظاهرات وجلست على أحد المقاهي لم يكن فيها غيري وشخص آخر، وطلبت من ماسح الأحذية الذي يجلس في ركن من المقهى أن يمسح حذائي ولكن بعد دقائق شاهدت البعض يعتدي عليه باعتبار أن المكان مكانهم، وأخيراً ذهب وترك لهم المكان.

أما سيد.م.م، فقال: عملت ماسح أحذية منذ فترة طويلة تعدت الـ 15 عاماً، وعندما بدأت العمل كان مسح الحذاء يتكلف 25 قرشا، ولكن الآن أصبح جنيهاً واحدا وأنا أعمل حوالي 14 ساعة في اليوم أو أكثر وأحصل على صافي دخل يومي يصل أحيانا إلى 100 جنيه أو أكثر قليلاً، ولكن يقل كثيراً في ظروف الإجازات، فقد يصل دخلي في اليوم كله من 15 إلى 20 جنيهاً فقط..

 

ركود

وأشار سيد إلى أن شهور الصيف هي أفضل شهور السنة بالنسبة لماسحي الأحذية خاصة في فترة المساء حيث يصل دخل الواحد منا في اليوم الواحد إلى 200 جنيه، وأحياناً أكثر ولكن هذه المهنة تجعل الإنسان غير مستقر وهو طوال اليوم يهيم في الشوارع، وإذا مرض أو حدث له أمر جلل وتغيّب عن عمله لن يجد ما يعينه على الحياة إلا بنزوله للعمل مرة أخرى، وهذا ما نعاني منه الآن في ظل التظاهرات وحظر التجوال ولم يعد أحد يتذكرنا.

وأشار إلى أنه كسب في اليوم السابق أربعة جنيهات طوال اليوم بينما كان في مثل هذا اليوم قبل التظاهرات يحصل على قرابة المئة جنيه، وحول علاقته بالمهنة قال: إن شقيقي الأكبر أصيب بضعف شديد في النظر، حيث كان يعمل في هذه المهنة وأنا كنت أعمل في البناء، ونصحني بهذه المهنة التي قال عنها إنها تدرّ دخلا أكبر من دخلي في مجال البناء، فحملت صندوقه، ونزلت إلى الشوارع، وعملت بلا مشاكل؛ لأنه أوصى عليّ بعض أصحاب النفوذ في هذه المهنة والآن أنا أصرف على أسرته وأسرتي.

إلى هنا يؤكد أحمد سمير، موظف، أهمية ماسح الأحذية، وقال: إن هذا الشخص البسيط إذا فقدناه يوماً واحدا سنعاني في البحث عنه أو عن زميل له، ولكن للأسف البعض يتعامل مع هذه المهنة بقدر كبير من عدم الأهمية، فهؤلاء يعملون من أجل العيش بكرامتهم، وهم أفضل من الذين اختاروا السرقة والبلطجة ليعيشوا، فيجب علينا أن نتعامل مع هذه المهنة باهتمام، وأشار إلى أنه يشفق عليهم هذه الأيام في ظل حظر التجوال واختفاء الناس من وسط البلد، ولذلك قبل يومين أعطى أحد ماسحي الأحذية 5 جنيهات بعد أن مسح حذاءه، وكاد يبكي من حسن المعاملة.

ويعلق د. هاشم عبدالمنعم، أخصائي اجتماعي، أن المهن التي يعتبرها البعض هامشية هي مهن لها أهميتها لخدمة المجتمع، وقال: إن هؤلاء يعيشون بالفعل في ظروف مختلفة فهم يحتكون بكل فئات المجتمع من مسؤولين ومواطنين وعمال ومجرمين ونشالين، وذابوا داخل هذه المجتمعات بشكل أو بآخر، فهم مثل الباعة المتجولين، والأموال التي يحصلون عليها مهما كانت بسيطة تجدهم قنوعين بما يحصلون عليه من عملهم..

وأشار إلى أن مطاردة هؤلاء من السلطات أو منعهم من قبل أصحاب المحلات للجلوس في أماكن استراتيجية توفر لهم دخلاً مناسبا يسببان لهم الكثير من المضايقات، وقد يقودهم إلى طرق غير شرعية للكسب خاصة أنهم داخل الأسواق وأماكن التجمعات يلتقون بشرائح منحرفة قد تستغل هذه المضايقات وتستخدمهم في أعمال إجرامية وأعمال غير شريفة، فيجب مساعدتهم لأداء عملهم حتى نضمن لهم حياة كريمة مستقرة لهم، وهذا أنفع للمجتمع.

 

لسنا مخبرين!

وأخيرا وقبل أن أنهى جولتي مع ماسحي الأحذية، سألني أحدهم: لماذا نجد كل ماسحي الأحذية ينظرون إلى أحذية المارة دون وجوههم؟ حولت السؤال بدوري لأحد ماسحي الأحذية ويدعى أمير وهو يبلغ من العمر عشرين عاما، قال لي «نعم هذه حقيقة كلنا ننظر إلى أحذية المارة ومن مسافة بعيدة نسبياً وندرك لحظتها أنه يبحث عن أحدنا ونبدأ في لفت نظره بأننا موجودون، وهذا الحذاء هو مصدر دخلنا ورزقنا، فلماذا ننظر في وجوه الناس نحن لسنا مخبرين، وقال إن كثيرا من الذين نلفت نظرهم بوجودنا يأتون إلينا ويطلبون مسح أحذيتهم.

بينما قال أحدهم إن عددنا أصبح كبيراً فهي مهنة سهلة ورأسمالها صغير جداً ولذلك أصبحت في متناول كل عاطل أو قادم من الأرياف أو المدن العشوائية وهذا ضيّق علينا كثيرا، ولذلك تقوم مجموعات من الماسحين بضمهم إليهم ليعملوا تحت إدارتهم ويوردوا لهم ما يحصلون عليه وينالوا حصة صغيرة جداً، وقال «أنا أعمل في هذه المهنة التي يمكن أن تدرّ للبعض دخلاً كبيراً، وهؤلاء هم الذين يسيطرون على أماكن فيها كثافة عالية من الناس، وهذه الأماكن لا يمكننا الاقتراب منها، ونحن الآن نعمل في أماكن نجلس فيها طويلاً حتى يطلب منا أحدهم مسح حذائه، وأنا الآن أبحث عن مكان جيد، وإذا لم أجد سأذهب طواعية للمجموعات المسيطرة على الأماكن عالية الكثافة، وأحصل على نسبة بسيطة، ولكنها أكبر مما أحصل عليه في الأماكن التي أعمل فيها.