يقول البيت الشعري القديم: «من لم يمت بالسيف مات بغيره.. تعددت الأسباب والموت واحد»، أما نحن الآن فنقول: «من لم يمت بالسيارة»، لأنها أصبحت الوحش الفتاك، الذي ينهش أبناءنا الذين هم عماد وطننا الإمارات، فعندما نطالع النسب المخيفة والمقلقة للحوادث والوفيات، وتطالعنا الدراسات عن استمرار ارتفاعها، وللأسف إلى الآن لم يضع احد من المسؤولين خطة للتخفيف من هذا الامر، وكل جهة تلقي بالمسؤولية على الاخرى، وكذلك تيتم العائلة، وفقدها معيلها، فضلا عن الحالات التي تصاب بشلل او بعلة دائمة، ما يربك المجتمع والاسرة. أسئلة حملها «الحواس الخمس» إلى شباب مواطنين لنتعرف من خلالهم إلى دواعي هذه الكارثة، وما هو الحل؟، خصوصا أن جانبا كبيرا من المشكلة وحلها يقع في أيديهم، إضافة إلى جهود المسؤولين الذين أيضا لم يقصروا في البحث عن حلول للقضاء على هذه الظاهرة.

استنزاف

شعار رفعه شباب مواطنون بعمر الورد «ابتعدوا عن الطيش واحفظوا انفسكم ومجتمعكم»، هذا بعد ان دق ناقوس الخطر بارتفاع اعداد القتلى نتيجة حوادث الطرق الذي اصبح في انتشاره يساوي مرض السكري الذي يعد الاعلى في الامارات. تسمعهم يقولون: أنا دفعت مخالفات 20 ألف درهم، وآخر يقول: دفعت 30 ألفا، حتى أصبح الأمر محل مباهاة من هذه الفئة التي تعد عماد الوطن وثروته. وآخرون يقولون: اشتريت موتر بـ300 ألف، اشتريت موتر بـمليون، وغيرها من الأرقام والأسعار التي تصيبك بالضغط، وهذا كله جائز مادام الله قد اعطاك خيرا؛ فعش به، ولكن ان تتحول النعمة الى نقمة؛ فهذا ما لا يرضي أحدا، خصوصا أننا هنا الفئة القليلة في المجتمع، على الرغم من أننا أصحابه، فمعظم الحوادث تحصد الشاب المواطن، ومخالفات السرعة، والرادار ايضا معظمها من نصيب الشاب المواطن؛ فمن المسؤول عن هذا؛ المجتمع أم الأسرة أم المدرسة؟ هذا ما قاله المهندس احمد مفتاح، حيث لا يخفي قلقه على هذا الشباب المستنزف ماديا ومعنويا، ويعزو المشكلة الى عدم الوعي للاسف، فحماس الشباب وطيشه اكبر من عقله وتفكيره، والحوادث للاسف لا تشكل لدى الشباب اي واعظ، بل على العكس يستمر المسلسل، وتطول حلقاته، ولا نجد من محيص سوى ترك الامور على الله.

عدم الوعي

يقول حمدان الزعابي، طيار: في الوقت الذي أصبحنا نرى الشباب فيه يغيرون وجه الكون، نرى شبابنا للاسف، وهنا لا أعمم، فريسة سهلة للطيش والتهور. لا ادري سبب المشكلة، ان كانت الطفرة المادية؛ فهذا ليس عيبا، فنحن والحمد لله نعيش ميسوري الحال، فأين العيب اذن؟. اكيد ليس بالطرق، فنحن عندنا شبكة طرق تعد الارقى عالميا، ومتوافر فيها كل مقاييس الجودة، وليس بالشرطة فهي لا تكف عن وضع القوانين والملصقات والتحذير والمعاقبة وكل القوانين الرادعة، ولكن للأسف نحن نضرب عرض الحائط بكل القوانين التي اردناها على مقاسنا، وليس كما هي. انا شاب لا أخرج من بيتي الا وأنا أسمع الدعاء والنصح من الوالدة «لا تسرع والله يحفظك». واكيد هذه الدعوات تلهج بها كل ألسنة وافئدة الامهات من اجل ابنائهن، ولكن لا حياة لمن تنادي.

ويضيف حمدان: انا لست ضد القدر، فكل شيء مقدر، ولكن اعقلها وتوكل، اي انه لا اسير بسرعة 200 او 260 كيلو متراً بالساعة، واقول يارب احفظني؛ فأنا اولا واخيرا اسير في الهواء، وتحولت سيارتي من مركبة تؤدي مهامها في نقلي للعمل او التجول فيها الى نعش طائر، أنتظر فقط بأي ارض أموت؛ فلماذا نظلم انفسنا واسرنا ومجتمعنا، فضلا عن الخسائر المادية، فمعظم الشباب يأخذون قروضا من البنك، من اجل شراء سيارة فخمة، حتى لو لم يكن بمقدورهم سداد اقساطها، وبالتالي يصبحون عرضة للمطاردات البنكية ايضا، كذلك المخالفات التي تقدر بالآلاف، كلها اذا وضعناها بالحسبان نجد اننا نستنزف المجتمع بدلا من رفع طاقته الانتاجية. لماذا أتقيد بالقوانين خارج الدولة وخصوصا في اوروبا ولا أتقيد بها هنا؟!!!

مفارقة

عبدالله بالجافلة يرى ان السيارة ضرورة من ضروريات الحياة، ولا بأس من اقتناء سيارة فارهة، ولكن مع المحافظة على حياتك وحياة الآخرين. وحتى السيارة عندما تشتريها بمبلغ كيبر من المال فهذه ايضا خسارة ان تذهب سدى، وهي اكيد ليست بأغلى من حياتك. وانا أهيب بكل الشباب ان يفكروا مليا قبل ان يحولوا الطرقات الى حلبات تسوق، لأن النتيجة كارثية على كل الأطراف. فلماذا نسبة الحوادث عندنا مرتفعة، ونحن عندما نسمع فلانا توفي، اول ما يخطر على البال أنه ربما مات في حادث، موضحا أن الامر مؤرق ومخيف وخارج عن السيطرة، نتمنى ان نجد له حلا نحن الشباب، لأننا بلحظة لا نقدر الاخطار ونقع ضحيتها.

ورطة

يقول محمد غانم الذيب: عندما اذهب الى المعشرة لأخذ العزاء في احد الشباب الذين قضوا نتيجة حادث مروري اشعر بالاسى على هذا الفقد، وعلى هذه الطاقة التي ضاعت، وخلفت وراءها ألما وحزنا ويتما. لا ادري كيف ينظرون الى الموضوع، لا بأس من شراء سيارة فارهة. ولا بأس من تزويدها بإضافات ترضي طموحك وغرورك، ولكن ان تجعل من الشارع حلبة سباق غير مراع لحرمته فتفتك بنفسك وبالآخرين؛ فهذا ما لا يرضاه عقل، لأن من شأن ذلك ان يؤدي الى مأساة على كل المستويات، ونحن للاسف نفقد ثرواتنا بيدنا. لماذا لا تكون هناك ضوابط على شراء السيارات وضوابط على تزويدها؛ فإذا كانت الغرامات لا تردع، تقوم الجهات المختصة بسحب الرخص من المتهورين؛ علها تردعهم. صراحة نحن في ورطة .