ماذا لو اختلفت مع أحدهم ورد عليك بأنك تعاني من الشعور بالنقص أو «انعدام الثقة بالنفس»، تلك العبارة التي تتكرر كثيراً في الشارع العربي وتمضي عابرة، باعتبار أنها باتت أمرًا طبيعيًا في ظل ظروف الحياة المتقلبة التي نعيشها الآن.. لكن ماذا يكون الأمر عندما يصبح الشعور بالنقص متواصلا ليتحول إلى حالة مرضية قد تكون مخاطرها على العقل أكثر من المخدرات نفسها، بحسب ما يؤكده خبراء الطب النفسي في هذه السطور التي رصد خلالها «الحواس الخمس»، حالات واقعية.
سمير.أ.م، يقول إن شقيقه يعاني من إحساس مستمر بالنقص، حتى أصبحنا نحن أنفسنا نعاني من معاناته فهو يَغار حتى من إخوته الصغار، يشكو دائماً بأنه مظلوم بينهم رغم أنه في عشرينات العمر، ولو تحدثوا مع بعضهم البعض يعتقد وكأنها عملية إقصاء متعمدة منهم وأنه ليس منهم أو أنهم لفظوه أو لم يثقوا فيه، ويأتي المنزل في حالة نفسية سيئة ويغضب إذا لم نقل له أنت أفضل منهم، ولكن لو قلت له: هذا الأمر عادي جداً ربما لديهم موقف يتحدثون فيه، يعتبرنا وكأننا ننحاز لبقية أشقائه على حسابه؛ لذلك نحاول دائماً زرع الثقة في نفسه ومعالجته اجتماعياً وما نزال نحاول.
لكن علماء النفس يصفون مرضى «الشعور بالنقص» بأنهم قد يكونون عالة على مجتمعهم، حيث يقول د.محمود عبد الحليم، أستاذ علم النفس التربوي، إن للتربية المتوازنة والاهتمام بالطفل منذ الصغر دور مهم في نجاح الطفل واستقراره ليكون إنساناً سوياً عندما يكبر؛ ليخدم نفسه ومجتمعه؛ لأن النقص موجود في كل إنسان، فليس هناك إنسان كامل، وضرب مثلا بإنسان توافرت له الظروف الملائمة وبلغ في تعليمه أعلى الدرجات وآخر صديق طفولته لم تساعده الظروف وقطع دراسته واتجه للعمل مبكراً، فلابد أن يشعر الأخير بأن هناك نقصًا..
ويحذر عبدالحليم من أن الحالة المرضية قد تحيل الشخص الذي يتملكه إحساس بالنقص لأن يصبح ممثلا في الحياة ويلبس شخصية غير شخصيته يحاول من خلالها إشعار الآخرين بأنه مهم، وهذا يعني تحوله إلى حالة من الحسد الاجتماعي الذي يصل حد الحقد على آخرين.
صورة مبهرة
تامر.م.م، خريج مدرسة ابتدائية، لكنه يتميز بذكاء خارق يتحدث معك بفهم ووعي في كثير من الأمور الحياتية، يبهرك عندما يتحدث وكأنه عالم أو أستاذ جامعي متخصص في مجاله، ولكن رغم ذلك المجتمع يتعامل معه كشخص غير متعلم ومهما فعل فهو الشخص الذي لم يحظَ بالتعليم، وهذا جعله دائماً يميل إلى أصدقاء خارج وسطه وكأنه أحد أبناء الطبقة الراقية وتعلم في المدارس الأجنبية، ويحظى منهم باحترام مبالغ فيه، ودائماً ما يكون جزءًا كبيرًا من حواراتهم ويظل محل ثقتهم في قدراته، ولا يقف عند ذلك، بل يرسم لنفسه خريطة مبهرة يطويها عندما يعود إلى مجتمعه الذي يعيش فيه.
ولذلك فإن علماء الاجتماع أكدوا أن الطفل عندما ينشأ وسط أسرة سوية تقوم بواجباتها نحوه، خاصة عندما يتعرض إلى مشكلة، فإن الأمر يختلف كثيرا، موضحين أن هناك كثيرا من الأطفال يعانون من تشوهات في الوزن أو الوجه أو الجسم أو الطول، فهؤلاء يتعرضون إلى سخرية زملائهم، ولذلك لا بد من تهيئة هؤلاء الأطفال بشكل جيد في هذه الأثناء حتى لا ينعكس ذلك عليهم بدرجة سلبية عالية، وكذلك لابد من تعزيز ثقتهم بأنفسهم بالتأكيد لهم بأن إرادة الله فوق كل شيء ولابد من تقبلها، وهذا يخفف كثيراً على الطفل.
ويشير د. إمام حسين، الخبير بالمركز القومي للبحوث، إلى أن أي إنسان لديه نقص محدد في حياته، وهذا النقص يصبح أمرًا طبيعيًا في ظل تفاوت الظروف في حياتنا الاقتصادية والاجتماعية، ولكن أن يفقد الإنسان ثقته في نفسه ويحاول تعويض ذلك بالتخيل من خلال أحلام اليقظة، فإن الاستسلام لهذه التخيلات يمثل خطورة كبيرة على الإنسان الذي يعاني من هذه الحالة.
مملكة جميلة يتمناها
هاني، طبيب بيطري يعمل بإحدى المحافظات، قال إنه نُقل إليهم موظف من القاهرة في مجال الإدارة، وقال: بدأت التعرف إليه فأعطاني معلومات كثيرة عن حياته لم تكن بينها أي معلومة صحيحة غير اسمه، حيث تحدث عن عائلته باعتبارها من العائلات الميسورة، وعن إنجازات والده في مجال عمله كعالم كبير، وعن دوره في الحياة الاجتماعية ودور أسرته ووالدته أيضاً، وعن كتب قرأها، وحتى الحي الذي يسكنه كان غير صحيح، حيث اختار منطقة راقية جداً..
يستطرد: ظللنا نتعامل معه على هذا الفهم لفترة طويلة حتى تم نقله إلى القاهرة مرة أخرى بناء على طلبه، وأذكر يوماً وأنا في زيارة للقاهرة ومعي زميل عزيز قررنا زيارته، وذهبنا للحي الذي قال إنه يسكن فيه فلم نجد له أثرًا، رغم أنه أكد لنا مرارا أن كل الناس تعرف عائلته، وفي اليوم التالي ذهبنا إلى الفرع الرئيسي للمصلحة، حيث يعمل وعرفنا أنه يسكن في حي شعبي فقير، وأنه يحمل الشهادة الثانوية فقط، وأن والده يعمل في ورشة بمرتب ضئيل، ووالدته التي تحدث عن أعمالها الخيرية لا تعرف شيئاً عن القراءة والكتابة، وعندما قابلناه ارتبك ولاحظنا أنه غير راغب أن نبقى معه في المكتب لفترة طويلة.
ويعلق أستاذ علم النفس د.محمود عبد الحليم، قائلا: إن عدم رغبة هذا الشاب في أن يبقى معه زميلاه لفترة أطول يعود إلى عاملين؛ الأول خوفه من انكشاف أمره، بعد أن صنع لنفسه مملكة جميلة يتمناها واقتنعا بها، وفي نفس الوقت توجسه أن يعرفا واقعه الاجتماعي بلقائهما بالآخرين من زملائه الذين يعرفونه، وأشار إلى أن هذا هو الإحساس بالنقص، ويمكن لمثل هذه الحالة أن تتحول إلى حالة من الحسد والحقد على المتميزين والاستيلاء على مواصفاتهم ونجاحاتهم ووظائفهم أمام آخرين لا يعرفونه لتعويض النقص والشعور باهتمامهم به.
الشعور بالنقص يبدأ منذ الطفولة
ولكن أستاذ الإرشاد النفسي د.نهلة زكي، قالت: إن الشعور بالنقص يبدأ منذ الطفولة، ولذلك بالضرورة التعامل بمهارة مع الطفل الذي يشعر بالنقص، فهذا يساهم في كثير من الأحيان في بناء شخصيته وتعويض نقصه، وأن يتعامل مع مجتمعه بشكل طبيعي.
وأضافت: هذا يمكِن إذا اجتمعت الأسرة وفتحت حوارات يومية تسمح لكل منهم أن يتحدث عن مشكلته بوضوح بدون زجر أو حجر أو استخفاف، ومساعدتهم في توفير وسائل الترفيه من ألعاب وأجهزة تساعد في ذلك.
سامية ص.م، قالت: ابني يعاني من مركب نقص خطير، كان والده سببا مباشراً في ذلك دون أن يقصد نسبة لانشغاله المتواصل، وتواصل: ابني منذ الصغر يرى الألعاب بأشكالها المختلفة بأيدي الأطفال من جيرانه، وفي العطلات يخرجون مع أفراد أسرهم ويقضون أوقاتهم في الحدائق والمنتزهات، وفي اليوم التالي يحكون له عن سعادتهم خلال هذه النزهات، فكان في بادئ الأمر يغضب؛ لأننا لا نقوم بدورنا تجاهه أو نروح عنه، فكنت أقول له: «والدك يعمل ليل نهار من أجلك»، ولكن عندما كبر قليلاً كان زملاؤه يذهبون إلى الحفلات التي يقيمها النادي القريب من منزلنا، وأحياناً يذهبون إلى مقاهي الإنترنت يلعبون البلايستيشن وغيرها من الألعاب، دون أن تتاح له هذه الفرص، حيث كان والده يرفض خروجه معهم في غيابه، وأنا لا أستطيع الخروج معه؛ لأن لديّ 4 بنات بينهم تؤام أنجبتهما منذ شهور أعاقوا تحركاتي لوحدى دون أن يكون معي زوجي..
تواصل سامية: اكتشفت أخيراً أن أحمد ابني يختلق قصصًا خيالية لزملائه في المدرسة يحكي فيها عن رحلات وأماكن زارها ومدى السعادة التي أحس بها أو أنه أمهر لاعب كرة في الحي أو عن فيلم يدعي أنه شاهده في دور السينما، ويكون قد سمع تفاصيله من زميل له، وغيرها من القصص الخيالية التي لم تحدث مطلقاً، وعندما حاولت منعه من الكذب لم يكترث، حتى بدأ يقص تلك القصص لأبناء الجيران الذين يعرفون ظروفه حتى أصبحوا يتندرون عن كذبه ويسخرون منه، فما زلت أعاني من كذبه وفبركته لأمور حياته.
شخصية سوية
وهذا ما أكده د. إمام حسين، مؤكدا أن شخصية الطفل السوية تتشكل منذ الصغر، ومثل هذا الطفل تمرحلت حياته حسب ظروف والده الذي يخاف عليه باعتباره الولد الوحيد الذي كان يتمناه، ويريد أن يوفر كل سبل الحياة الكريمة له بالعمل المتواصل، ولكنه لخص الأمر كله في الجانب المادي، ولم يهتم بالجوانب الاجتماعية والمعنوية للطفل، فبدأ الشعور بالنقص يتراكم عليه؛ مما دعاه إلى محاولة مجاراة زملائه الذين يحكون له عن زياراتهم لأماكن هو محروم منها، ويبدأ الحديث من نسيج خياله، وهذا له أثر سلبي على الطفل في ظل هذا الحرمان الذي يشعره بأنه أقل من زملائه، خاصة أنه قد يفوق بعضهم في الوضع الاقتصادي.
ويرى علماء النفس والاجتماع أن الاستماع للأطفال والمراهقين باهتمام وبحث مشكلاتهم بجدية ومتابعتهم في دروسهم قد يقودهم إلى النجاح، وهذا من أهم أدوار المجتمع والأسرة في دعم الصحة النفسية للأطفال والمراهقين وعدم كبت مشاعرهم؛ لأن ذلك سيجعلهم غير قادرين على الأداء الجيد إذا انتابهم شعور بالحرمان.
