الالتهاب الكبدي الفيروسي سي أو «HCV»، هو مرض مزمن ينتج عن الإصابة بفيروس «سي»، الذي يؤثر في الكبد، وقد تنتج عنه مضاعفات خطيرة مثل تليف الكبد أو حدوث سرطان الكبد عند تأخر أو إهمال العلاج؛ لذلك من الأهمية كما يؤكد الأطباء ضرورة أن يسارع المريض بالعلاج في الوقت المناسب، وتحت إشراف طبي، خصوصاً مع عدم توصل الباحثين إلى دواء بإمكانه إحداث الشفاء التام من المرض، أو لقاح يقي من الإصابة به.. تفاصيل أكثر حول المرض وأحدث طرق علاجه تتناولها السطور التالية..
«الفيروسات الكبدية مشكلة عالمية، حيث يوجد نحو 200 مليون شخص على مستوى العالم مصاب بفيروس سي».. هذا ما أكده حسن الشناوي، أستاذ أمراض الباطنة والكبد بالمعهد القومي للكبد بمحافظة المنوفية المصرية، موضحا أن مصر في مقدمة أعلى الدول في معدلات الإصابة بالمرض، وتوجد تقديرات مختلفة لمعدل الإصابات تتراوح بين 12%- 22% من المصريين، وفي أغلب التقديرات فإن عدد المرضى لا يقل عن 10 ملايين مريض، مشيرا إلى أن احتمالية الإصابة بالمرض ومضاعفاته تزداد في الرجال عنها في السيدات؛ لأن الدورة الشهرية عند السيدات تتسبب في نقص الحديد والإصابة بالأنيميا؛ ما يقلل تكاثر الفيروس، ويخفض احتمالية حدوث مضاعفاته الخطيرة.
وأرجع أستاذ أمراض الباطنة والكبد سبب انتشار المرض بهذه النسبة في مصر إلى حقبة الستينيات أثناء تنفيذ حملة لعلاج مرض البلهارسيا عن طريق الحقن، حيث كانت السرنجة الواحدة يحقن بها أكثر من 20 شخصا، دون وجود تعقيم كافٍ، وهو ما تسبب في نشر المرض من شخص لآخر، وعند اكتشاف الفيروس سنة 1989 تم اكتشاف وجود أعداد كبيرة مصابة بالفيروس؛ لذلك انتشرت العدوى في المجتمع.
عادات غير صحية
وأشار إلى أن المرض يمكن انتقاله عن طريق العدوى عند نقل الدم الملوث بالفيروس، ومن أكثر وسائل انتقال المرض شيوعا ممارسة بعض العادات غير الصحية مثل إجراء الختان في أماكن غير معقمة، واستخدام أدوات الحلاقة نفسها، والمقصات، والأدوات الحادة، وكذلك فرشاة الأسنان، كما ينتقل عن طريق الوشم، أيضا تحدث العدوى عند وخز الجلد بسرنجة تم استعمالها من قبل لعلاج شخص مصاب بالمرض؛ ما يؤدي إلى انتقال العدوى بشكل عرضي؛ لذلك يجب التخلص من السرنجات المستعملة بشكل فوري وبطريقة صحيحة عن طريق وضعها في أوعية محكمة الغلق لا تستطيع الأيدي أن تصل إليها.
وتابع الشناوي: المرض لا ينتقل عن طريق الاتصال الجنسي بين الزوجين إلا بنسبة ضئيلة جدا لا تتعدى نسبة 1%، وتزداد هذه النسبة في العلاقات الجنسية غير الآمنة، كما أن نسبة انتقاله من الأم الحامل إلى مولودها لا تتعدى الـ5%، ولا ينتقل فيروس (سي) عن طريق الأحضان أو المصافحة أو العطس أو الكحة أو المشاركة في الأطباق أو الأكواب أو أي علاقة أخرى ليس فيها تعرض للدم، وغالبا ما ينتقل بين الشباب المدمنين بالحقن المخدرة.
وحذر من انتقال العدوى في مراكز الغسيل الكُلوي بواسطة العاملين والمرضى إذا لم يتم مراعاة قواعد التعقيم الصحيحة، ولذلك يجب عمل التحاليل الطبية اللازمة لتشخيص الالتهاب الكبدي الفيروسي (سي) بصفة دورية للمرضى الذين يحتاجون إلى الغسيل الكلوي بانتظام.
كيفية فحص المرض
ومن جانبه قال د.سامح سيف الدين رئيس قسم الكبد والجهاز الهضمي بالمعهد القومي لأمراض الكبد والأمراض المتوطنة بالقاهرة، إنه يمكن تشخيص المرض من خلال فحص الدم لتحديد وظائف الكبد، فبإمكان هذا الفحص أن يوضح ما إذا كان الكبد يعاني تليفا في أنسجته أم لا، وبعض الفحوصات المعملية مثل تحليل PCR، وتحليل إنزيمات الكبد (SGOTوSGPT) بالدم يقيس مستوى هذه الإنزيمات الكبدية التي تنتج بكميات كبيرة في حالة التهاب الكبد مثل حالات الالتهاب الكبدي الفيروسي (سي) وأيضا في حالات الالتهاب الكبدي الأخرى وحالات مرضية أخرى غير ناتجة عن مرض بالكبد، وهذه الإنزيمات تعتبر مؤشرا أوليا لدرجة أو شدة الالتهاب الكبدي. وأضاف أن فيروس (سي) يتميز بالقدرة السريعة على التغير، وتوجد ستة أنواع جينية من الفيروس تنقسم إلى أكثر من خمسين نوعا، وهو ما يفسر جزئيا عدم قدرة الجسم على القضاء على الفيروس، وعدم توصل الأبحاث إلى تطعيم مضاد للفيروس حتى الآن، ولكن 95% من الإصابات الموجودة في مصر من النوع الرابع.
وحول أعراض المرض، أوضح سيف الدين، أنه في معظم الحالات لا يعاني المريض من أي أعراض لفترة زمنية طويلة ولكن في حالات محدودة قد تحدث الأعراض الحادة بعد ثمانية إلى اثنى عشر أسبوعا من حدوث العدوى، وتشمل الإحساس بالإرهاق الدائم وفقدان الشهية وسوء الهضم والغثيان والشعور بالألم في منطقة الكبد وآلام المفاصل، لافتا النظر إلى أن التشخيص المبكر في المراحل الأولى من المرض يعطي نتائج تصل إلى 58% مشيرا إلى ضرورة الفحص الدوري للأشخاص الأكثر عرضة للإصابة خاصة سكان الريف والعاملين في القطاع الصحي.
العلاج الوحيد المعترف به عالميا
وفي السياق ذاته ذكر د.إبراهيم مصطفى أستاذ أمراض الجهاز الهضمي والكبد، أن العلاج الوحيد المعترف به عالميا لعلاج حالات فيروس «سي» حتى الآن، هو استخدام حقن «الإنترفيرون» طويل المفعول مع كبسولات المضادات الفيروسية «الريبافرين» وذلك بعد أن تم إجراء عدة مراحل معقدة من التجارب للتأكد من أمان العقار وكفائته، واعتماد منظمة الأغذية والدواء الأمريكية للعقار، و«الإنترفيرون» عبارة عن مادة يفرزها الجسم داخليا عند حدوث العدوى الفيروسية وله دور في مقاومة الفيروسات.
وأكد أنه غالبا ما يكون العلاج بـ«الإنترفيرون» للحالات في المرحلة الوسطى للمرض، بين مرضى الحالات المتأخرة الذين قد لا يستجيبون للعلاج نتيجة التليف الشديد للكبد وهم الذين يلجأون إلى عمليات زرع الكبد، وهناك مرضى آخرون حاملون للفيروس الخامل يعالجون بمنشطات للكبد لتقوية الجهاز المناعي، وتصل نسبة الشفاء بـ«الإنترفيرون» طويل المفعول إلى 60% للمريض.. وحتى المرضى الذين لم يستجيبوا لهذا العقار، أي لم يتخلصوا من الفيروس، قد حققوا استفادة من العلاج تتمثل في إبطاء تطور المرض إلى المراحل الخطيرة، وقد أفادت الدراسات أن فرصة تطور المرض إلى أورام كبدية تقل لديهم بنسبة كبيرة.
ونوه مصطفى إلى أنه لكي يبدأ المريض العلاج يجب أن يجري تحاليل «pcr» وأشعة موجات صوتية وصورة الدم، وغالبا ما يقوم المريض بتوقيع موافقة كتابية قبل البدء في العلاج، وهو الأسلوب المتبع عالميا، خوفا من تضرره من الآثار الجانبية للعلاج التي قد تصل إلى الأنيميا والاكتئاب، مشيرا إلى أنه يتم وقف العلاج إذا تسبب العلاج في تهديد حياة المريض، مع إجراء التحاليل كل 12 حقنة لمعرفة مدى استجابة الجسم للعلاج وتحديد إمكانية الاستمرار في العلاج الذي غالبا ما يصل إلى 48 حقنة.
وقال أستاذ أمراض الكبد إنه يتم الحقن تحت الجلد (وليس في الوريد) وأسهل أماكن الحقن هي الأجزاء العلوية في الساقين أو السطح الخارجي للذراع والجزء الأسفل من البطن، ويعمل «الإنترفيرون» على تخلص الجسم من الفيروس وأعراضه وإعادة الحيوية لنسيج الكبد وإعادة نسبة إنزيمات الكبد إلى مستواها الطبيعي.
آثار جانبية
وعن بعض الآثار الجانبية المصاحبة للعلاج، أضاف: بالتأكيد لا يوجد عقار ليس له آثار جانبية، وهذه الآثار الجانبية لا تجتمع كلها في مريض واحد، بل تتفاوت من مريض إلى آخر، وليس شرطا أن تحدث، مشددا على أن اختيار المريض للعلاج المناسب بـ«الإنترفيرون» وفقا لشروط محددة يجنب الكثير من هذه المشكلات ويحقق الاستفادة القصوى من العلاج ويزيد معدل الاستجابة أيضا، ولا يجب التوقف عن العلاج قبل استشارة الطبيب المعالج.
وأشار أن الإنترفيرون يحدث تأثيرا مباشرا على صورة الدم والهيموجلوبين وكرات الدم البيضاء والصفائح، ويتسبب في سخونة الجسم أول 48 ساعة لمعظم الحالات، وظهور أعراض تشبه الأنفلونزا، مع ألم في المعدة وفقدان الشهية وإسهال، وقد يحدث نقص في الوزن، أو يكون له تأثير على الغدة الدرقية وأيضا الحالة النفسية للمريض وإصابته باكتئاب في بعض الحالات. ودعا أستاذ أمراض الكبد، إلى تغيير نمط الحياة للمريض واتباع نظام غذائي صحي وممارسة الرياضة والتحكم في نسبة السكر والدهون بالدم والاهتمام بالفحص الدوري الشامل للاطمئنان على وظائف الكلى والقلب والجهاز العصبي والمخ وتحديد العلاج المناسب لكل حالة.
