قد يكون إلى جانبك في السيارة، أو في طابور الانتظار، ولكن لا صلة لك به، وقد يكون بعيداً عنك أميالاً وتربطك به علاقة ود، قد يكون بيته بجانب بيتك، ولكن لم ترَ وجهه قط، وإن رأيته لا ترد أو لا يرد عليك السلام، الكتل الإسمنتية تقرب الشقق.

ويبعد الناس الامتداد العامودي للبناء، والاختفاء وراء جدران إسمنتية تجعل القريب بعيدا. قديما أهل الفريج او الحي وأهل القرية كلهم يعرف بعضهم بعضا؛ الآن صغرت المسافات وابتعدت أو انعزلت الإنسانية خلف الجدران.

فالجار يكاد يكون كل من على الأرض، فالدول متجاورة بعضها مع بعض، سواء كبرى أو صغرى، ثم المدن تتجاور أيضا، وفي المدينة تتجاور الأحياء، وفي الأحياء تتجاور المنازل، وفي مواقع عملنا. «الحواس الخمس» استطلع آراء مجموعة من الناس عن مفهوم الجيرة والجار.

 

جاري لا أعرفه

رياض الرفاعي، موظف، يقول إن له فترة طويلة يسكن في احدى الشقق في برج مؤلف من 30 طابقاً، وبعد أكثر من سنة اكتشف ان جاره الذي يقطن في الشقة المقابلة جزائري، ولكن الأمر هنا مختلف عن قريتي الصغيرة؛ فهنا في البرج او البناية الواحدة تجد مئات الاسر، ولكن لا رابط بينها؛ فلا صلة قرابة او دم او حتى جنسية.

وان وجدت فالكل منكمش على ذاته، ويعتبر بيته قاعدة عسكرية يتحصن بها، على اساس اننا في غربة، والكل لا يعرف عن الآخر شيئا، فقلة المعرفة احسن من الدخول في علاقة لا يعرف مؤداها، ولكن انا ضد هذه الفكرة، فأفترض أنني بالدوام، وحصل ظرف في بيتي، فبمن أتصل؟، طبعا هناك جهات رسمية أتصل بها، ولكن الاولى مثلا ان اكلم جاري؛ فهو الاقرب، ولكن للاسف الاقرب هو البعيد.

 

اختفاء العادات

حسام القاسم، مهندس ديكور، يرى أن سبب اختفاء مفهوم الجيرة هو ان العلاقات الاجتماعية قليلة بحكم أن الكل يعمل ومشغول، والعلاقات مختصرة على مستوى اصدقاء ان وجدوا، فعندما تصعد او تنزل في المصعد تجد أشخاصاً يقطنون بالطابق نفسه.

ولكن تستغرب وكأنك أول مرة تشاهده، ومن وجهة نظري أرى حقوق الجيرة موجودة في كل الأديان، ولكن يقويها العادات والتقاليد ووجود الكبار، فمثلا أنا اعرف المئات سواء من سكان حارتي أو مدينتي أو هنا لا أعرف إلا القليل واكثرهم من يعملون معي.

 

جيران وعادات

احمد درويش، مهندس، يقول: انا اتفق معك بالكلام بالنسبة للمقيمين، اما ابناء البلد؛ فالوضع مختلف، فلا يزال للجار حرمة، وكلنا يعرف الآخر؛ فانا اعرف ساكني الجميرا، واعرف غالباً كل مناطق دبي، وتربطنا بهم علاقات جيدة، وانا يقشعر بدني كلما قرأت حديث الرسول الكريم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره».

فانظر إلى منزلة الجار كم هي كبيرة عند الله ورسوله، لذلك بحكم تعدد الجنسيات وعدم اختلاط الناس مع بعضهم البعض تصنع هذه الفجوة، فبحكم العادات لا أظن أن علاقة ستنشأ مثلا بين فلبيني وعربي لان لهؤلاء الشعوب عاداتها التي تختلف عن عاداتنا نحن العرب.

وكذلك الأوروبيون، اما نحن فأهل بلد، اذهب الى سوريا او مصر او الاردن او لبنان او اي بلد عربي ستجد ان هناك حرمة للجار، وهناك علاقات اجتماعية وثيقة لا ينفصم عراها، وقيمة الجار عظيمة، والبحث عن الجار قبل الدار منذ قديم الأزل.

ويضيف درويش: اذكر لك مثلا سمعته من قبل ان أبا جهم العدوي باع داره بمئة ألف درهم، ثم قال: فبكم تشترون جوار سعيد بن العاص؟ قالوا: وهل يشتري جوار قط؟ ردوا علي داري، ثم خذوا مالكم، لا أدع جوار رجل، إن قعدت، سأل عني، وإن رآني، رحب بي، وإن غبت حفظني، وإن شهدت قربني، وإن سألته، قضى حاجتي، وإن لم أسأله، بدأني، وإن نابتني جائحة، فرج عني، فبلغ ذلك سعيدا فبعث إليه بمئة ألف درهم. فلماذا لا تكون هذه الأمثال قدوة لنا؟ لم لا نشتري حق الجيرة التي لا تقدر بثمن؟.

ويوضح درويش أننا لدينا بشكل عام عملية انفصام اجتماعي سببه اختلاط كثيف في الجنسيات، أما طرز العمارة الغربية فلها فلسفتها وركائزها التي لا تتفق مع مبادئنا، فالعمارة الغربية قضت على مفهوم الجوار الذي نحرص عليه. فنحن نرى أن سكان المبنى الواحد لا يتزاورون، ويحرص كل منهم على العيش في عزلة عن الآخرين من جيرانه، وهذه هي إحدى السلبيات التي أفرزتها العمارة الغربية، والتي نتج عنها وجود صراعات فكرية بين سكان المبنى الواحد.

 

حق الجار

تقول روعا محوك، موظفة: للجيرة ثمنها، فيجب ان تصون جارك، وتدافع عن بيته، ولا تنام شبعان بينما جارك جوعان، كذلك يجب عدم التطاول في البناء أمام جارك كي لا تحجب عنه الريح، او تفتح نوافذ الى عقاره الا بإذنه، انا بطبيعة عملي أحب العلاقات الاجتماعية، ولكن للاسف أحيانا يأتي التقصير من غيري.

وليس مني لأن الكل يضع محاذير وخطوط حمراء لا يحب لأحد ان يتعداها، لذلك تتقزم العلاقات الاجتماعية وتهدر شروط الجيرة، وللاسف نتحول شيئا فشيئا الى روبوتات عديمة المشاعر تعمل وتأكل وتنام، الى ان يأتي وقت وننسى به انسانيتنا التي اصبحت في مهب الريح، فعلى من يقع اللوم؟ من وجهة نظري كلنا نتحمل هذا.

عبدالسلام حمزة، صحافي، يقول: أحيانا لا نحتاج أن نطرق باب الجار، أو ندخله بيتنا من اللحظة الأولى، أو أن ندخل بيته، إن العلاقة بالجار متشابكة الأطراف، فهو من نلقاه في الشارع وأمام باب العمارة، وأحيانا في السوق، ولن نحتاج لبذل مجهود كبير حتى تلقي السلام والتحية بابتسامة.

والابتسامة إن لم تفتح لك باب قلب الجار فستفتح لك في السماء بابا، ومن وجهة نظري أرى ان المناسبات تقرب المسافات؛ كالتهنئة برمضان والعيد والمباركة في حالات الزواج والعزاء في حالات الوفاة، وكما قال رسول الله، صلى عليه وسلم: «الكلمة الطبية صدقة».