كان أمراً عادياً أن ترى تلك المرأة الخمسينية التي تحمل شنطة أو «بقجة» بداخلها ملابس وأقمشة، في منزلكم وسط ترحيب من أفراد الأسرة الذين يتجمعون حول حقيبتها لاختيار ما يناسب كل فرد منها، وأكثر ما يرغِّب النساء في الشراء من تلك المرأة التي يطلق عليها «الدلالة» أن تسديد قيمة ما يشترونه يتم بالتقسيط المريح أو إلى حين ميسرة، حيث تأتي كل شهر وتدس ربة المنزل مبلغاً زهيداً في يدها وتُخرج «الدلالة» ورقة صغيرة تسجل ما دُفع..

 

و«الدلالة» كانت ظاهرة منتشرة حتى وقت قريب، ولكن ظهور «دلالة صينية» مودرن ترتدي الجينز في العشرينات من العمر جعلت «الدلالة» المصرية تتوارى وتكاد أن تختفي من حياة المصريين، حيث تجد «الدلالة» المصرية تحمل قطعاً قليلة من الملابس والأقمشة تشتريها النساء في كل الحالات لعدم وجود خيارات عديدة أمامهن نسبة لأن «الدلالة» تبيع بالأقساط المريحة، بينما «الدلالة» الصينية تحمل شنطة كبيرة جداً فيها عشرات الأصناف من الملابس الرجالية والنسائية وملابس الأطفال وغيرها من مستلزمات الأسرة، وما يميز السلع الصينية أن أسعارها رخيصة ورغم التحفظات على جودة صناعتها لكنها جميلة الشكل وجاذبة.

يرى الكثيرون أن «الدلالة» الصينية تمتاز بقدرة عالية على الإقناع ولها طريقتها في عرض ما لديها من بضائع، بينما المصرية تدخل البيوت في كل الحالات وتشرب القهوة والشاي وتتبادل الحديث مع الأسرة في شتى الموضوعات دون أن تبيع شيئاً، في حين تطرق الصينية الباب وتسأل إذا كانت الأسرة راغبة في الشراء، ولا يهم من في المنزل رجال أو نساء فإما السماح لها بالدخول بعرض ما لديها وإما إبلاغها من على الباب بعدم الرغبة في الشراء.

 

مول متنقل

هذا ما تؤكده أم تامر امرأة في الثلاثينات من العمر، حيث قالت: «الدلالة» المصرية كانت تأتي لمنزلنا بمعدل مرة في الأسبوع، ولكننا كنا نرفض بضاعتها ويقتصر الشراء على والدتنا وجدتنا وكل ما في حقيبتها عدد محدود من الملابس والأقمشة التي لا تتناسب مع ذوقنا نحن الشباب، ولكن «الدلالة» الصينية تحمل عشرات الأنواع من أشيك الملابس وتنقل السوق بكاملها إليك في منزلك فيها كل ما تحتاجه الأسرة، وأحياناً نسأل عن بعض الاحتياجات فتسجلها وفي اليوم التالي تعود إلينا بها، فهي أكثر فائدة، بالإضافة إلى أن أسعارها رخيصة جداً مقارنة بالصناعة المصرية والمستوردة من دول أخرى، ولذلك اختفت «الدلالة» المصرية تماماً من الصورة.

أما الحاجة محاسن، فأشارت إلى أنها تفضل «الدلالة» المصرية كثيراً، وتقول: تحمل لنا الملابس التي تناسبنا نحن الكبار وتبيعها لنا بأقساط مريحة وأحياناً إلى حين ميسرة، وأشارت إلى أنها أيضاً تجلس معنا وتأتي بكل أخبار البلد والأسعار وما يدور في البلد من حولنا؛ لأنها تدخل الأسواق وتخالط التجار الكبار وتشتري منهم وتبيع لنا، أما الصينية عندما تأتي إلى منزلنا لا نعيرها اهتماماً، لكن البنات الشابات يلتففن حولها وبضاعتها تتوافق مع ذوقهن.

 

تجربة واقعية

لكن حفيظة عبد السيد، كانت «دلالة» لأكثر من 40 عاماً قضتها في التجوال بين بيوت الأسر، قالت إنها تقاعدت بعد أن كبرت في السن وأصبحت غير قادرة على الحركة، وعن تجربتها، أشارت إلى أنها كانت لها زبائن من كل الطبقات، حيث تشتري من كبرى المحلات والشركات بالجملة حسب أذواق المجتمعات التي تدخل عليها، وأشارت إلى أن مكسبها كان جيداً؛ لأنها تشتري بالقسط وتبيع بالقسط أيضاً، وأضافت: حتى الفتيات الشابات كن يشترين منها رغم تحفظهن على الشراء من «الدلالة»، واستطردت: كنت أختار ملابس أنيقة تليق بأعمارهن، وعن مكسبها، قالت انها كانت تكسب في الشهر أكثر من 400 جنيه إلى 500 جنيه وهو مبلغ كبير في ذلك الوقت.

أما الحاج عبدالمنعم، فقال: كنت أرفض أن تدخل الدلالة منزلنا وأحذر المدام والبنات من السماح لها بالدخول، وقلت لهم «اذهبوا لها حتى لا تحضر هي»؛ لأن الدلالة عندما تخرج من المنزل الذي تقضي فيه وقتاً طويلاً تكون قد رصدت كل شيء وتوصفه للأسرة التي تزورها بعد ذلك، وأحياناً تعمل خاطبة عندما ترى فتاة جميلة فتقوم بوصفها لأسر أخرى، وأحياناً تعرض عليك عريساً لابنتك أو عروسة لابنك، وتتجول بين الأسرتين حتى يتم هذا الزواج أو يرفض، والخلاصة أن الدلالة المصرية على وجه التحديد تعكس واقعاً مختلفاً في أوساط الأسر ومن خلالها تعرف الأسرة كل أخبار الأسر الأخرى ما لهم وما عليهم وحتى ماذا أكلوا في ذلك اليوم.

 

رؤية اجتماعية

وهنا تحدث أستاذ الاجتماع بجامعة القاهرة د. أحمد حجازي مؤكداً أن الدلالة عندما تتردد كثيراً على البيوت تصبح كأنها جزء منها، وهذا يتيح لها معرفة أدق الخصوصيات، ويضيف: هناك عامل اجتماعي معروف لدى المصريين أنهم عندما يقتربون من شخص بشكل كبير يقولون أمامه كل شيء ويفتحون قلوبهم له، وهذا يسبب كثيراً من المشكلات للأسر، خاصة إذا كان هذا الجسم الغريب قد فرض وجوده وصداقته القوية، ويبدأ بنقل ما يدور داخل منزل أسرة لأسرة أخرى ويأتي منها بأخبارهم، وفي كثير من الأحيان تكون هناك أسر لها حساسية مع أخرى تجد في الدلالة التي تدخل على الجميع بدون موعد أو استئذان - ما كان محجوباً عنهم، فتصبح هناك عين في الأسرتين، وإذا اعتبرنا أن الدلالة تقضي أطول وقت في كل بيت، حيث تبدأ بعرض ما لديها ثم الشاي أو القهوة ثم الثرثرة فمن الأفضل أن تكون العلاقة محدودة وأن تدخل صالون المنزل ولا تتعداه وأن تقتصر العلاقة بينها وبين الأسرة على حدود البيع والشراء وتنتهي عند هذا الحد لكي تضمن الأسرة أن أسرارها محفوظة.

بناءً على ذلك تذكر سناء أحمد، أنها تفضل الدلالة الصينية كثيراً، فهي فتاة عملية جداً عندما تدخل منزلك كل تركيزها ينصب على عملها وتبيع أكبر قدر من بضاعتها، كما أنها خفيفة جداً وسريعة الحركة وبمجرد انتهاء البيع تخرج فوراً؛ للبحث عن منزل آخر، عكس الدلالة المصرية التي لا تستغرق معاينة بضاعتها دقائق وباقي الوقت الطويل تقضيه في الحديث والثرثرة.

 

الفتاة الصينية تتحدث

التقينا بفتاة صينية اعتادت البيع في المنازل تتحدث العربية بصعوبة، قالت: إن الشعب المصري طيب ويحب الشراء، وأصبح لها زبائن كثيرون من الجنسين، وقالت: أنا أعرض بضاعتي على الأسرة فإذا لم يجدوا شيئاً يريدونه أسألهم ماذا يريدون؟ فيدخلوا معي في المواصفات لطلبهم، وفي اليوم التالي أحضر به إليهم، كما أن أسعارنا في متناول اليد، واستطردت: هناك بعض الطلبات لا توجد في وارداتنا من الصين فإذا وجدنا الطلب عليها كثيراً نطلبها من الصين وفي أيام تكون بالأسواق المصرية.

وأشارت الفتاة الصينية إلى أن دخولهن منازل المصريين كشف لهن عن احتياجات كثيرة لا تتوفر لديهم وموجودة في الصين، ولذلك هن يسجلن تلك الملاحظات ويرفعنها إلى الشركات المعنية، وحتى رؤيتنا لشكل الشقق يتيح لنا أن نسجل ما يمكن أن نضيفه لها غير الأشياء التقليدية المعروفة التي نراها في كل بيت، وأشارت إلى أن أغلب المشترين منها هن فتيات في العشرينات والثلاثينات، لافتة أنها لم تجد اعتراضات أو عدم قبول لها في زيارة المنازل بل على العكس هم يرحبون بنا.

ولكن مها.أ.أ، قالت: أعمل صباحاً وزوجي يعمل مساءً ونسبة لسمعة الصينيات بعد تورط بعضهن في شبكات للدعارة قد حذرت البواب بألا يسمح لأي فتاة صينية الاقتراب من منزلنا، وأشارت إلى أنها تثق في زوجها جداً ولكن دخول تلك الفتاة قد تجلب لزوجي سمعة غير جيدة، وتابعت: أنا نفسي أفضل الشراء من السوق مباشرة ولا أحتاج إلى دلالة أو بائعة تحضر لي ما يوافق مزاجها هي، فلماذا أنتظر أن تعرض لي ملابس محدودة مع أن الأسواق أمامي عامرة وفيها مئات الخيارات.

 

بضائع رخيصة لكنها مضرة

وهنا يقول الخبير الاقتصادي د. حمدي عبدالعظيم إن الدلالة أو الفتاة التي تتردد على المنازل تحجب كثيراً من الزبائن عن ارتياد الأسواق المصرية، وهي تقبل على الأسر بما تحمله من بضائع في مكانهم، بينما عندما يذهب الإنسان بنفسه لشراء سلعة محددة في الأسواق يرى غيرها ويشتري، وهذا يؤثر على القوة الشرائية للمنتجات المحلية، خاصة أن البضائع الصينية أصبحت تنافس البضائع المحلية بقوة نظراً لرخص أسعارها، وهذا ما سينعكس مستقبلاً على المستثمر المحلي في مصر وقد يتعثر مشروعه أو قد يدفع بصاحب المصنع إلى تقليل حجم العمالة لديه، وبالتالي يزيد من أعداد البطالة، وإذا تعثرت المصانع فسيؤدي إلى فقد عائد كبير على الدولة من الضرائب وهي كلها آثار سلبية.. ويضيف: لا أستطيع أن أتحدث عن إيجابيات نسبة لرداءة الخامات التي تصنع منها المنتجات الصينية والتي تتنافي مع قانون البيئة وتسبب كثيراً من الأمراض، خاصة للأطفال المصريين الذين هم تحت خط الفقر لأنهم يقبلون على هذا النوع من البضائع لرخص سعرها ولا يهمهم النوع أو الخامات التي تصنع منها وهؤلاء يشكلون شريحة كبيرة في مصر.