لكل دمعة قصتها، ولكل بكاء نشيجه؛ فدمعة اللقاء ترتسم على محياك، ودمعة الفراق تزيدك شحوبا، ودمعة النجاح تخط بين عينيك مستقبلا، فهل الدموع مصدرها القلب أم العين؟ إنها علاقة تكاملية تشترك فيها العين والقلب، وكل له دوره.

ولكن يبقى البكاء بكاء، وفي كل الاحوال، إلا بكاء ذلك المولود الذي يعتبر نتاج فطرة لا علاقة للمخ أو القلب أو العين دخل به؛ بكاء للحياة أو بكاء عليها. وأشهر من بكى من ملوك العرب عندما سلم الاندلس هو ابو عبدالله الصغير، فقالت له امه: ابكِ مثل النساء ملكاً مضاعاً لم تحافظ عليه مثل الرجال.

ولكن هل الدموع حكر على النساء حتى يشبّه من يبكي من الرجال بهن؟ يرى باحث أجنبي أن الدموع تخلص الجسم من المواد الكيماوية المتعلقة بالضغط النفسي، وعند دراسة التركيب الكيمائي للدمع العاطفي والدمع التحسسي، الذي يثيره الغبار مثلاً.

وجد أن الدمع العاطفي يحتوي على كمية كبيرة من هرموني البرولاكين، وآي سي تي أتش، اللذين يوجودان في الدم، في حال التعرض للضغط، وعليه فإن البكاء يخلص الجسم من تلك المواد. وأوضح هذا الاكتشاف سبب بكاء النساء بنسبة تفوق بكاء الرجال بخمسة أضعاف، فالبرولاكين يوجد لدى النساء بكميات أكبر مقارنة بالكمية لدى الرجال، لأنه الهرمون المسؤول عن إفراز الحليب.

ويقول الدكتور فري، صاحب البحث، إن الحزن المسؤول عن أكثر من نصف كمية الدمع التي يذرفها البشر، في حين أن الفرح مسؤول عن 20% من الدمع، أما الغضب فيأتي في المرتبة الثالثة، وأثناء البكاء تزداد كمية الدمع المنهمر بمقدار يفوق المعدل الطبيعي بخمسين إلى مئة ضعف في الدقيقة، وتسكب العين وسطياً 5 مللمترات من الدمع يومياً.

 

لكل دمعة قصة

يقول عامر رجوب، مذيع: يبكي الرجل في مطارح عدة؛ بكاء الفرح عند الولادة، وبكاء الحزن عند الموت، وبكاء السرور عند النجاح، وبكاء الوفاء عند الاخلاص، وبكاء التوبة عند المغفرة.

وبكاء القهر عندما يغلب على امره. فلقد تعوذ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من قهر الرجال، لأن تحملهم كبير جدا، ولا يكون قهرهم بالأمر الهين السهل؛ لهذا فدموع الرجل نادرة، وبكاء الحاجة عندما لا يجدها، وبكاء السؤال الذي يذل الانسان، وأهم بكاء ما ورد عن الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم قوله: «عين بكت من خشية الله».

ويضيف عامر: كوني من مجتمع بدوي أعتبر أن دمعة الرجل عزيزة؛ أي أنها لو ذرفت في كل حين لضاع وقاره، ولكن عاداتنا وحميميتها تفرض مثل هذه المواقف؛ فعند السفر واللقاء هناك من يبكي، اما الشدائد فلا تحتاج بكاء، بل عزيمة، حتى لو اضطر الرجل ان يبكي بقلبه، ونحن كشرقيين معروف عنا الرومانسية والحب والعطف، الا ان البكاء يعتبر امرا صعبا.

وبالنسبة للحب؛ فهو لا يدعو للبكاء، فأنا مثلا لو تركتني محبوبتي فلن اقضي الليل اناجي القمر، واترك دموعي تهطل مدرارا ، لا على العكس، فتملك الأعصاب والسيطرة على الحالة المعاشة يثبت صدق النتيجة، فكثيراً ما يقال البكاء خديعة للاستعطاف لتمرير حالة معينة.

ويوضح عامر: في مناطقنا الأردن وما حولها يضرب مثل مجازي على رجل اكل الزمان عليه وشرب فيقال «فلان ينبكى عليه»، أي انه أصبح منسياً ولا يسأل عنه أحد.

أو يقال فلان ليس له بكايات، أي إنه مقطوع من شجرة، فمن الامور التي لاتزال متداولة في عشائرنا ان الموت بين الاقارب عز، اي انك تجد من يطريك ويبكي عليك، ولا انسى منظر رجال متلفعين بشماخاتهم تعصر دمعاً عند هذه المواقف؛ فالبكاء على انسان عزيز ليس ضعفا؛ فلن تنجب لنا النساء كل يوم هكذا رجل.

 

البكاء قوة

هل بكاء الرجل من اجل امرأة او امامها يفقده الكثير من رصيد رجولته؟ ويحوله الى انسان مهزوز؟

تقول الاعلامية والمذيعة، ختام سليم: دموع الرجل في لحظات معينة شعور لا يوصف بالنسبة للمرأة، ليس لتشعر بضعفه، بل بقوته، ولتتأكد أن هذا الرجل ليس مجرد شخص يتحمل المسؤولية، والشخص الجدي، بل هو مشاعر متدفقة لا يستطيع منع دموعه أعتى السدود.

ولكنني ضد البكائين وعلى كل شيء، فهؤلاء من وجهة نظري، الضعاف الذين يلوذون بالدموع لعجزهم عن حل المشكلة، ولكن بالنسبة لي دمعة الرجل تبقى محفورة بمواقفها في مخيلتي؛ فأتذكر دمعة والدي عند اللقاء، واتذكر دمعة زوجي عندما انجبت ابنتي؛ فهذه مواقف تعزز شعور القوة بالرجل، وليست دليل ضعف، بالنسبة لي لو بكى رجل امامي لن افكر نهائيا بأنه انسان ضعيف، بل بالعكس سأفكر بأنه انسان ذو مشاعر وأحاسيس.

اما لماذا لا يظهر الرجل دموعه؟ باعتقادي ان دمعة الرجل في تكوينات مجتمعاتنا صعبة، لأنه بالنسبة لنا الاخ والاب والزوج؛ فهو السند، فعندما يُظهر بكاءه تهتز الامور، ويصعب السيطرة، وأعتقد بأن هناك من يبكي خفاء، وأعتقد بأن وراء بكاء الرجل دائما امر جلل.

 

مجتمع محافظ

أما عبدالعزيز العمار، مهندس سعودي، فيقول: نحن في المجتمع السعودي محافظون؛ فموضوع العويل والندب والبكاء على الميت نعتبرها بدعا، ويبقى الغضب بالقلب. انظر شجرة الزيتون خضراء على مدار العام، ولكن انظر الى نواتها ميتة، فالبكاء موجود.

ولكن اعتبر ان قليلا من الاصرار يعيد لك توازنك، ويجعلك تتحكم في دموعك، رغم انك لن تحجبها معظم الوقت، ولكن كثرة الدموع تميت القلوب او كثرة البكاء.

وهناك مواقف لا يسع الرجل إلا البكاء، منها فقدان الأحباب؛ أب وأم وزوجة وولد وصديق، ووداع الأحباب لسفر طويل، ولقاء الأحباب بعد طول غياب، وساعة يخلو فيها الرجل مع نفسه وتذكره لأعماله السيئة والمشينة، ولكن لا اعتقد بأن البكاء يسقط الرجل من عرش رجولته.

 

دمعة غالية

لينا فغالي، مشرفة مدرسة، تقول إنها تخاف من دموع الرجال، لأن الرجل بالنسبة لها هالة كبيرة يذيبها البكاء فتصبح كجبل جليد يسحبه ماؤه الى محيطات اخرى.

ولكن بالنتيجة الرجل كائن يؤثر ويتأثر، يفرح ويبكي؛ يبكي لنجاح ابنه، وينسى نفسه امام احاسيسه وبوته، يقزم ذلك المارد الذي بداخله. ولكن في رأيي أن الإنسان في مواقف كثيرة.

وعند مراجعتها يجب ان يبكي على نفسه قبل ان يبكي الناس عليه؛ فالحياة ليست حريرا، بل مطبات وعرة، ومسالك ضيقة، يحتاج الانسان الى التصدي لكل عواملها قبل اللجوء، او الفرار الى البكاء؛ فهو لن يقدم أو يؤخر، إذا لم يكن في محله الصحيح، والمحل الصحيح ثمنه غال، لذلك دمعة الرجل غالية.