مرت سنوات وصنف من الناس لا يزالون يمارسون نفس الهوايات ونفس الاهتمامات، وحتى عند التقائهم فالأماكن نفسها لا تتغير، ولا نبالغ إن قلنا إنهم يطلبون أيضاً نفس المشروبات والمأكولات التي لا تتغير! وإن خضت معهم في حديث مــا ستستشعر عُري أحاديثهم من قيمة وخلوها من معنى.. وفي النهاية حياة بلا هدف، هؤلاء هُم (النمطيون) الذين يعيشون نمطاً ما من الحياة لا يحيدون عنه أبداً، بل يجدون أن حياتهم المُملة في نظر البعض قمة السعادة. (الحواس الخمس) استعرض الموضوع مع مجموعة من الشخصيات التي تراوحت تعليقاتها ضمن باقة السطور التالية.
التجرد من الكهف
تقول فاطمة الفلاسي - مديرة مركز التنمية الاجتماعية بدبــي: يجب أن نستوعب فعلاً أننا نعيش في مجتمع يجاري الظروف والتطورات والأحداث بشكل سريع، ونفاجأ حينها بوجود أشخاص لا تهزهم كل ما يحصل حولهم، وكأنهم أناسٌ يعيشون في كهف، فعلينا جميعاً أن نعيش حياة يغمرهـا التجديد والابتكار، والتحسين والتطوير، ومواكبة التقدم العلمي والتقني في جميع المجالات.
أولى محطات الانطلاق
وتتساءل عليـــاء محمد المنصوري - طالبة دراسات عليا قائلة: متى نفقه أن بداية التغيير الفعلي تبدأ من المفاهيم والأفكار والتي رسخت لدينا اعتقادات مختلفة عن أنفسنـا وعن إمكانياتنا وقدراتنا سواء كان ذلك بالسلب أو بالإيجاب؟! لذا فإن تغيير المفاهيم يصل بنا إلى أولى محطات الانطلاق وبداية التغيير.. مضيفة: سأذكر هنا تجربتي الخاصة ضمن هذا الإطار ولأني أعيش ضمن أسرة مُتشبثة بالعادات والتقاليد بشكل كبير بحيث لا تسنح الفرصة أبداً للنقاش الصحـي، فإني فاتحتهم ذات يوم برغبتي في العمل مع صديقتي المقربة في مجال تصميم الأزيـاء وواجهت اعتراضات أسرية في البداية خصوصاً فيما يتعلق بضرورة تواجدي أحياناً في الفترة المسائية، ومع مواصلتي لسلسلة النقاش معهم، بل إصراري على العمل وخوض عالم الأزياء الذي يلقى إقبالاً كبيراً من الجنس الناعم جعل الأسرة ترضخ لرغبتي، مُوضحة أنها اتجهت لهذا العمل لتثبت ذاتها كشابة إماراتية تسعى لأن تكون سيدة أعمال في مجال الأزياء ولن تجعل أي حائل يقف في طريقها بل ستستمر في السعي لهدفها.
حياة بلا معنــــى
يعتقد سالم محمد آل علي - موظف ان النمطيين يعانون من هشاشات في أنفسهم بحيث لا يقبلون كل جديد إيجابي يضفي رونقاً جميلاً على حياتهم.. مضيفاً: هم يعيشون فعلاً ضمن قوقعة من تكرار الأفعال والممارسات والأقوال بشكل مستمر لفترات طويلة والغريب في هذا كله انهم أصلاً لا يشعرون بالرتابة والملل، فمتى يُقبل هؤلاء على التغيير في العادات والسلوكيات وفي كل شيء يؤدي إلى القضاء على تلك الحياة الخامدة والمملة.
التغيير ينبع من الداخل
ويندهش الإعلامي عبدالناصر أهلي من الناس النمطيين الذين يضعون لشريط أو مسار حياتهم مجرى معينــاً لا يحيدون عنه أبداً، موضحاً أن التأثير والتغيير الحقيقي لا يكون نابعاً إلا من داخل الإنسان نفسه، هذا لأن الإنسان هو المحرك الوحيد لتصرفاته، لذا فإن الرغبة في التغيير يجب أن تكون مصحوبة بإرادة قوية وصامدة أمام المؤثرات والمصاعب والمشاق التي تقتل عملية تحقيق التغيير للأفضل، ومن جانب آخر يوضح أهلـي انه يحب تنويع اهتماماته وهواياته وحتى الأماكن والدول التي يزورها والأكلات أو الوجبات التي يتناولهــا، وأيضاً في طريقة حواره ونقاشه بحيث لا يكون على رتم معين وهذا من وجهة نظره يشد الطرف الآخر لحديثك.
وتشير الإعلامية الاقتصادية فاطمة الظاهري في مؤسسة دبي للإعلام إلى أن الإنسان عبارة عن مجموعة من التجارب المستقلة والخاصة.. صحيح أن تجارب بني الإنسان متشابهة، متقاربة، ولكنها ليست ولن تكون متماثلة، متطابقة.. ومن ثم فإن الفرد يتمتع باستقلاليته الخاصة، استقلاليته الذاتية، والفكرية، والنفسية، والاجتماعية، والسلوكية.. ومن جانب آخر توضح الظاهري أنها تكره النمطية في شتى جوانب حياتها.. وعلى حد قولها فإن النمطية تضفي الكآبة على حياتنا بل تشُل أيضاً معالم الإبداع فيهـا، موضحة أنها شخصية تسعى للتغيير الإيجابي في حياتها كالحرص على تنويع هواياتها بين الرسم والقراءة أو زيارة أماكن مختلفة.. وحرصها موصول أيضاً بالتغيير نحو الأفضل والأجمل والأحسن والأكمل، وهو ما يعتمدُ على محاولة تحقيق ذلك التغيير من خلال زيادة بعض التصرفات الإيجابية ولو بمقدارٍ يسيرٍ عند كل فردٍ منا، والتقليل من بعض التصرفات السلبية قدر المُستطاع.
مهنة غير نمطية
ويقول عيسى علي السجواني - طالب جامعي وموظف عن تجربته حول هذا الموضوع: لأنني أكره النمطيين وكل ما يتعلق بالحياة النمطية ارتضيت أن أعمل (كاشير) ولا أنكر أبداً الدهشة التي كانت تعتلي وجوه المُتسوقين عند معرفتهم بأنني شاب إماراتي وإظهار مدى سعادتهم بذلك على الرغم من امتعاض الغالبية.. مضيفاً: لا تهمني أبداً نظرات هؤلاء، فعملي هذا أتاح لي فرصة إكمال دراستي على نفقتي الخاصة.. مؤكداً أن ابتسامة المُتسوق أو الزبون عند خروجه من المركز التجاري وظهور مدى رضاه عن مستوى اتقانه لعمله يساهم في رفع معنوياته، فالعمل في هذا المجال يساعده في التخطيط لأفكار يأمل تحقيقها لواقع في المستقبل.
جلسات علاج
ويقول د. أحمد جمال الرئيسي رئيس مجلس إدارة مركز التفوق للتدريب والتنمية البشرية إن النمطيين يدخلون ضمن إطار الشخصية (الحسية) التي تحب الاستقرار والاستقلالية، وتعيش في هالة سلوكية غير صحية، بحيث يتم الافتقاد إلى التوازن لأن التطرف هو الذي يسيطر على حياتهم، وهذه الشخصية تحتاج إلى جلسات علاجية لمعالجة مواطن ونقاط الضعف فيها.. مضيفاً: وقد أشرفت شخصياً على علاج حالة نمطية كانت تعاني من بعض السلوكيات لاسيما عدم الرغبة في التواصل الاجتماعـي وبفضل الله تعالى غيرت فيها الكثير من القناعات وفَعلتُ فيها التفاعل الاجتماعي والانخراط مع مجموعات العمل.
