شرنقة الطفولة تتفتح.. فراشة صغيرة تتمرد على وضع السكون وتفرد جناحيها.. تتحسس طريقها في عالمها.. تطير بعيداً إلى عشها الجديد.. تلك هي فترة المراهقة لأي فتاة.. الفترة التي تتبدل فيها حالتها من السكون والوداعة إلى الاستكشاف والبحث عن الذات والرفض لكل المسلمات وتتلمس طريقها بحثاً عن الأجوبة والحلول لتكوّن شخصيتها المستقلة، فهل ستساعدها والدتها أم ستقف حجر عثرة في طريقها، هل تغار الأم من تمرد وطموح ابنتها في تلك الفترة أم أنها تستوعبها وتدعمها، هل حقاً تعرفين ابنتك، وماذا تريد الفتيات في هذه السن من أمهاتهن؟ هذه الأسئلة بحثنا لها عن أجوبة في هذه السطور.

سألنا بداية مجموعة من بنات المرحلة الثانوية السؤال التالي: كيف تنظر البنت لأمها في هذه السن؟ فقالت دينا: أمي متحكمة ودائماً عصبية وتريد طاعة أوامرها فقط، لا تفهمني وعقليتها مختلفة وذوقنا مختلف، يكفي أنها لا تحب تامر حسني وتكره الأغاني الأجنبية الحديثة، أشعر بأنها حبيسة في عالم الثمانينات بكل ما فيه من ملابس وأغانٍ وأفكار، وتريدني أن أصبح نسخة منها.

أما دعاء فقالت: أمي آراؤها قديمة، ولا تعرف التكنولوجيا والانترنت، فكيف تتوقع مني أن أطيعها وأنا أعرف وأفهم أكثر منها في كل ما يحيط بي!.. في حين تؤكد ردينة أنها تعرف أن أمها تحبها، لكنها، على حد قولها، تخنقها أمها بهذا الحب، وتقول الفتاة: هي تحاصرني بنصائحها كأنني طفلة، كما أنها تتدخل دائماً في اختياراتي حتى لملابسي، وأنا أكره ذلك، لأن ذوقها قديم وأشعر بأنني أضحوكة بين زميلاتي.

أمي تراقبني

وتتدخل هاجر في الحديث، فتقول: أمي تراقبني، أشعر بأنني سجينة، ودائماً تشك فيما أقوله رغم أنني لا أكذب عليها، ولكنها تتوقع ذلك، صديقاتي يتمتعن بحياتهن، أما أنا فقائمة الممنوعات لديّ أضعاف المسموح به، حتى مجرد فكرة الخروج مع إحدى الصديقات مرفوضة.

في السياق ذاته تقول فريدة: أنا وأمي نتحادث بشكل مفتوح دائماً، وأحياناً أشعر بأنها صديقتي التي أحكي لها عن آمالي ومشروعاتي المستقبلية، ولكن كثيراً ما أشعر بأنها تحبط عزيمتي بقولها إنك مهما فعلت ووصلت إلى نجاح في حياتك فإنك لن تستطيعي أبداً أن تصلي إلى ما وصلت إليه، أشعر أحياناً بأن أحلامي تصيبها بالغيرة، كما أنني لا أحب أن أخرج معها؛ لأنها شديدة العناية بنفسها، وأشعر بأن مظهرها لا يتناسب مع سنها، فهي يجب أن تترك هذه العناية لي أنا، نعم.. أشعر بالغيرة من مظهرها.

الأمهات ترد

من الملاحظ أن نظرة الفتيات لأمهاتهن تحمل طابع القسوة والتعالي، أما نظرة الأمهات لبناتهن المراهقات فتقريباً كان لديهن إجماع على أن البنات اختلفن كثيراً. إحدى الأمهات قالت: أشعر بأنها ليست ابنتي التي ربيتها طوال السنوات السابقة، لقد تبدلت تماماً وأصبحت عنيدة وشرسة مع إخوتها، مهملة لدراستها بعد أن كانت متفوقة، كما أن مظهرها اختلف كثيراً وملابسها أصبحت أكثر تحرراً لأنها تقلد زميلاتها، ولكن ما طمأنني أنني لاحظت أن هذه الملابس موضة أو سمة هذا الجيل، والغالبية العظمى من الفتيات لها نفس الذوق.

أم أخرى، رفضت ذكر اسمها، فقالت إنها تتفهم حالة تمرد المراهقة التي تمر بها ابنتها لأنها عانت منها من قبل مع ابنها الأكبر واستمرت معه إلى أن بلغ الثامنة عشرة من عمره، لذا فهي تتجاهل اعتراضات ابنتها ولا تدخل معها في جدال وتتركها تفعل ما تريد لأنها فترة وستمر وتعود ابنتها إلى رشدها مرة أخرى كما فعل ابنها.

ابنتي أصبحت عدوي

فيما رفضت أم أخرى هذا التوجه وقالت إنها تعرف مخاطر فترة المراهقة وأنها بالفعل تعاني من المواجهات اليومية مع ابنتها ولكنها ترفض فكرة أن تترك البنت تفعل ما تريد بل على العكس فإنها شددت من رقابتها عليها خشية تأثير صديقاتها السلبي عليها. وأم رابعة قالت إن أكثر ما يؤلمها هو تعامل ابنتها معها بتعالٍ وكأنها تتعامل مع أم جاهلة وتنتقد دائماً قراراتها وأسلوب كلامها ومظهرها وتسخر بشكل قاس من عدم متابعتها أحدث مواقع الانترنت والبرامج الجديدة بسبب انشغالها، على الرغم من أنها هي من علمت ابنتها كيفية استخدام الكمبيوتر والانترنت، وقالت إنها تشعر ان ابنتها أصبحت عدوتها التي تكرهها.

وأجمعت الأمهات على أنهن في فترة مراهقتهن لم يكنّ بذات الجرأة في التعبير عن اعتراضهن أو إظهار التحولات في شخصياتهن وأنهن كنّ أقل صدامية مع ذويهن وأكثر هدوءاً، وأن بنات هذا الجيل أصبحن مشتركات في قسوتهن وجرأتهن الكبيرة في التعبير عن أنفسهن، وأجمعن أيضاً أن الفتيات يظهرن براعة فائقة في تعلم الجديد والتعامل مع التكنولوجيا، ولكن للأسف فيما لا يفيد فالموبايل للحديث وسماع الأغاني والانترنت للشات وأخبار الفنانين والألعاب ولا يوجد هدف مستقبلي بل نظرتهن محدودة، ومنتهى أملهن حضور حفلة لتامر حسني أو عمرو دياب.

من منظور علماء الاجتماع

ولكي تجد الأمهات تفسيراً لما تمر به بناتهن التقينا ابتهال عامر، أخصائية اجتماعية بإحدى المدارس الثانوية، وسألناها كيف ترى الطريقة المثلى التي يجب على الأم أن تعامل بها ابنتها من واقع تعامل ابتهال عامر اليومي مع الفتيات المراهقات، فقالت: يجب على الأم أولاً أن تعرف طبيعة فترة المراهقة، فهي ليست سبة أو نقيصة للفتاة إنما هي كما عرفها العلم مرحلة اقتراب من التكامل والنضج الجسمي والعقلي والنفسي، وبالتالي فكل ما تفعله الفتاة في هذه المرحلة هو البحث عن هويتها الخاصة كي لا تصبح نسخة مكررة من أحد، وهو حقها المشروع والمشكلات التي تحدث في هذه الفترة بين الأهل والمراهقات سببها عدم فهم الأهل واستيعابهم مرور الفتاة بهذه المرحلة الانتقالية من الطفولة إلى سن الرشد والقدرة على اتخاذ القرارات وتحديد المستقبل باختيارات صحيحة. وللأسف فإن الأمهات لديهن دائماً إصرار على الاستمرار في معاملة الفتيات معاملة الأطفال وهو خطأ شائع، فيجب أن يكون التعامل بعقلانية وإقناع وحب وليس بأسلوب الأوامر ولا يعاملهن أيضاً كراشدات، متوقعات منهن الصواب دائماً، فذلك يعد عبئاً نفسياً كبيراً على الفتاة التى تريد أن تعيش سنها ولا تتحمل ما يزيد على طاقتها من المسؤوليات. كل هذا يصل بالفتاة إلى تكوين الشخصية السوية.

وعن أكثر الأخطاء شيوعاً في تعامل الأهل مع المراهقات، تقول: الخطأ الشائع هو «عيب إنتِ بنت» بينما لو فعل أخوها نفس الخطأ لا يوجه له أي لوم، أي التفريق الحاد بين الفتاة والولد في المعاملة والواجبات المنزلية، وهو ما يولد شعوراً بالظلم والإحساس بالدونية، وهذا الإحساس بالذات هو ما يدفع غالبية الفتيات للوقوع في علاقات عاطفية مع الشباب لتعويض هذا الإحساس بالنقص، وكلما كان الظلم الواقع على الفتاة كبيراً كانت عواطفها أكثر تمرداً وجنوحاً. كذلك فإن انشغال الأهل بالعمل أو الانفصال يجعل الفتاة في حالة بحث عمن يستمع لها ويشاركها أفكارها ومشاعرها، وغالباً ما تجد ذلك الاهتمام والإصغاء من زميلاتها، لذا يكون ارتباطها بهن في هذه المرحلة أقوى من ارتباطها بأهلها، وهو ما قد يعرضها لمخاطر الانزلاق في أخطاء نتيجة للتقليد أو لعدم الحكم الصحيح على الأشياء لغياب العقلانية في التفكير.

وتضيف: مشكلات المراهقة تكاد تكون واحدة، فهي تتسم بالعناد والتمرد والتحدي الدائم لمن بيده السلطة سواء في المنزل أو في المدرسة كذلك سرعة الغضب واضطراب الهوية وزعزعة الإيمان والتوتر وأحياناً الخوف المبالغ فيه من أشياء بسيطة مثل الظلام أو البقاء وحيدة في المنزل والبحث عن الاستقلالية، وبالطبع الاهتمام المبالغ فيه بالمظهر والعمل على إظهار الصورة الأنثوية، والبحث عن الإعجاب في عيون الآخرين والدخول في المغامرات العاطفية، وكلها أشياء مرت بها بالتأكيد غالبية الأمهات ولكن ما جعل مراهقة الجيل الحالي أكثر حدة هو كثرة المشكلات المحيطة بهم في المجتمع خاصة إذا كانوا يعانون من مشكلات عائلية كانفصال الوالدين انفصالاً حاداً أي وجود مشكلات كثيرة بينهما، وكلنا نعلم ارتفاع نسب الطلاق في المجتمع بشكل كبير، كذلك الإعلام والانترنت جعلاهم أكثر انفتاحاً على المجتمع وأكثر استيعاباً لمشكلاته من بطالة ومشكلات مادية وصعوبة في التعليم وإدراكهم أن التعليم العالي أصبح الآن متاحاً لمن يملك المال أكثر ممن يجتهد في التعلم. كلها أشياء قد تبعث على الإحباط والاكتئاب وهما شائعان في هذه السن، وأوجه الاختلاف تتمثل في ثورة التكنولوجيا التي أتاحت لهم كماً كبيراً من التواصل والمعلومات بشكل غير مسبوق، ففي جيل الأمهات من كانت منهن لديها هاتف أرضي في منزلها كانت تعتبر في مكانة اجتماعية متميزة، أما الآن فالهاتف المحمول في يد الأطفال قبل الكبار والانترنت متاح عليه في أي مكان وأي وقت ونحن من أتحنا لهم هذا التطور فلماذا نلومهم الآن على تأثيره عليهم ولو كنا مكانهم لشعرنا مثلهم بالزهو لما يملكونه من معرفة وعلم!