ترك إنسان ما قبل التاريخ شواهد على بصمات الأصابع في رسوماته ومنحوتاته فوق جدران الصخور والكهوف، ولم يكن السبب آنذاك استخدامها كإحدى الأدلّة الجنائيّة، فقدماء المصريين والبابليين اعتبروا أن البصمة هي تمثيلٌ لإنجازات الإنسان خلال حياته.
وهذه هي النقطة الوحيدة التي تشترك فيها البصمة البيئيّة مع بقيّة أنواع البصمات، أي إنّها بالمجمل الأثر الذي يتركه الإنسان في حياته، إلا أنّها تختصّ بمجال البيئة.
تُبيّن لك البصمة البيئية حقائق مهمّة حول الاستخدامات والضغوط البشرية على كوكب الأرض. فعلى سبيل المثال، إذا كان الجميع يعيشون #نمط حياة المواطن العادي في الولايات المتحدة أو الحياة التي نعيشها هنا في الإمارات ودول الخليج، لكنا في حاجة إلى خمسة أو ستة كواكب، ومن هذه الحسابات نستنتج أن البصمة البيئية لكوكب الأرض تخطّت الإمكانيّات البيولوجيّة لهذا الكوكب منذ أكثر من 20 عاماً. وكلّ هذه الحقائق توصلنا على نتيجةٍ مفادها أن قدرة كوكبنا الجميل على التجدد لم تعد مواكبة للطريقة التي نستهلكه بها، فأسلوبنا يحوّل الموارد إلى مخلّفات بسرعةٍ تفوق قدرة الطبيعة على إعادة تحويل المخلّفات إلى موارد.
وللتخفيف من خطر الاستهلاك المتزايد للموارد، أطلقت بعض البلدان، وخصوصاً في منطقتنا، مشاريع جديدة لنقل المياه واستخدام طاقة غير متجددة تصل تكلفتها إلى أرقام خيالية. وتُقدّم لنا هذه المشاريع على أنها حلولٌ لمشكلات تناقص الموارد المائية، والحاجة إلى المزيد من الطاقة، إلا أنّها في الحقيقة ليست إلا قنوات تؤدّي إلى زيادة استهلاكنا لموارد كوكبنا الأزرق.
ولا تقف المشكلة عن هذه المشاريع الغريبة، فعلى جانب هذه الممارسات الخاطئة، يُسبّب تدمير الأراضي الصالحة للزراعة واستبدال الغابات الطبيعية بالغابات الإسمنتيّة انخفاضاً في قدرة بيئتنا على معالجة نفسها، وهذا بدوره سيوقعنا خلال فترةٍ زمنيّة قصيرة في مشكلات اقتصادية واجتماعية وبيئيّة لا يُمكن الإحاطة بها.
حساب البصمة البيئيّة
إذا ما أردت حساب بصمتك البيئيّة، عليك أن تحسب تقديريّاً كميّة غاز ثاني أكسيد الكربون الذي تُطلقه في الجو، أنت وسيّارتك وأجهزة التكييف في منزلك ومكتبك، إضافةً إلى المعدّات التي تجهّز وجباتك اليوميّة، وتحاول أن تجد لنفسك مساحة خضراء، فيها مجرى مائيّ، يُمكنها أن تعيد تحويل هذه الكميّة من ثاني أكسيد الكربون إلى أوكسجين، إذا تمكّنت من ذلك، لم يبق عليك إلا أن تقيس هذه المساحة الخضراء، لتعلم ما هي بصمتك البيئيّة.
وعلى صعيد الدول، من الإعجاز القيام بالعمليّة السابقة مع كلّ السكان، لذا تجري العمليّة بمعادلةٍ مختلفة. تلخّص فيها مُجمل مساحات الأراضي والمياه التي خصصتها كل دولة لإنتاج جميع الموارد التي تستهلكها ولاستيعاب جميع النفايات التي تنتجها. وتنقسم هذه المساحات، التي تدخل في عملية حساب البصمة البيئية، إلى ستة أنواع من المناطق ألا وهي: (الأراضي الصالحة للزراعة- المراعي# والغابات- المحيطات أو البحار- الأراضي المغطّاة بالمباني المختلفة - الطرق- الأراضي اللازمة لنمو النباتات القادرة على امتصاص ثاني أكسيد الكربون).
وبعد الدول، تأتي القارات كلّها، فعند إضافة واحتساب جميع المناطق السابقة في العالم، تكون نتيجة معادلتها هذه 20 ألف متر مربّع للفرد الواحد، وتنخفض مساحة الأرض المخصصة للفرد إلى 17 ألف مترٍ مربّع بسبب حجز بعض المناطق كمتنزّهات ومحمياتٍ طبيعيّة.
مبادراتٌ جادّة
في محاولة جادة لوقف الاستهلاك المفرط للموارد الطبيعية، أطلقت الإمارات مبادرة وطنية باسم «البصمة البيئية»، وهي الثالثة من نوعها في العالم بعد سويسرا واليابان، للوصول إلى تحسين مرتبة الدولة في استخدام الموارد الطبيعية. وتأكيداً على تفعيل هذه المبادرة دّشنت شركة بترول الإمارات الوطنية «إينوك» الأسبوع الفائت، أول محطة وقود صديقة للبيئة في الشرق الأوسط وذلك في تلال الإمارات بدبي.
ومن بين المزايا الخضراء المبتكرة في المحطة، الأجهزة التقنية المتطورة لاحتواء أبخرة البنزين الصادرة من المضخات وبالتالي انعدام جميع الروائح البترولية الناتجة عند تعبئة الوقود، وكذلك مجموعة متنوعة من أحدث الأنظمة بما في ذلك أنظمة الإضاءة التي تعمل بالطاقة الشمسية، أنظمة غسيل السيارات من دون ماء، أنظمة فصل النفايات، وتصميمات متطورة للحد من الضجيج.
