حلم الزواج وتأسيس الأسرة السعيدة هو أمنية كل فتاة مهما اختلفت ثقافتها وطموحاتها ودرجة تعليمها، لكن بات الحلم مهددا بأن يتحول إلى كابوس مع ارتفاع نسبة العنوسة بشكل كبير في المجتمعات العربية، والتي تعدى فيها عدد الشباب غير المتزوجين أرقاما قياسية، ففي المجتمع المصري وحده أكثر من عشرة ملايين شاب وفتاة تجاوزوا سن الثلاثين دون زواج، وهو رقم مخيف بكل المقاييس، فما الذي تفعله الفتاة للخروج من هذه المشكلة؟ هل تقبل على شراء زوج بدلا من الحصول على لقب عانس؟ أم أنها بذلك تفتح بابا للاستغلال وربما للحصول على لقب مطلقة؟ هذه التساؤلات رصدتها جلسة نسائية لمجموعة متنوعة من الشابات تخطين سن الثلاثين، وهو السن المتعارف عليه بالعنوسة، وطرحنا عليهن الموضوع لنتعرف إلى تجربتهن..

البداية كانت مع سمر، التي أخذت في سرد قصتها قائلة: عندما وصلت إلى سن السابعة والعشرين بدأت أمي تلح عليّ بأن أنظر إلى الزواج بشكل جدي، مبررة ذلك بأنها لا تريد أن تعيش ليوم أحمل فيه لقب عانس، ورغم أنني لم أكن أهتم كثيرا بأمر الزواج؛ لأن عملي يأخذني غالبية الوقت، توجهت إرضاء لها إلى أحد مكاتب الزواج الذي بعد أن أخذ بياناتي كاملة بدأ في سؤالي ليس عما أطلبه في العريس ولكن في ما لا أطلبه منه، فبدأ يقول: طبعا لا تريدين شبكة؟! فجاريته بقولي إنني لا أحب ارتداء الذهب، فاستحسن الرد واستطرد في سرد بقية التنازلات التي يجب أن أقدمها حتى يرضى ابن الحلال عني، إلى أن وصل إلى نقطة السكن وسألني عندك شقة؟ إلى هنا انتفضت مستنكرة، وصرخت في وجهه: هل العروس هي التي أصبحت توفر الشقة للعريس؟ وإذا كان العريس بهذه الحالة، فلماذا عليّ أن أقبله؟ ما مميزاته التي ستجذبني إليه إذا كان لا يستطيع توفير أبسط مقومات الزواج؟ ولم أكرر المحاولة مرة أخرى وتركت الموضوع للقسمة والنصيب.

اشتريت عريساً

هنا تشجعت عالية قائلة: أنا اشتريت عريسا! فقد انشغلت عن الزواج بالحصول على الدراسات العليا بعد تخرجي من الجامعة، ثم العمل في إحدى الشركات الأجنبية التي أعطتني راتبا كبيرا، وفي المقابل أخذت من عمري الكثير، فقد كنت أعمل ما يزيد على 12 ساعة يوميا، ما قضى على حياتي الاجتماعية، فلم أفق إلا عندما حدث خلاف وتركت على اثره العمل، لأكتشف أنني تخطيت الثالثة والثلاثين وبدوت في نظر من حولي عانسا، وبدأ الأقرباء في تقريعي بأن هذا هو العمل الذي فضلته عن الزواج قد تركته وأصبحت عانسا.. ولما ضاق عليّ الخناق قررت أن آخذ المبادرة، خاصة أنني ـــ ولله الحمد ـــ متيسرة ماديا، لكنني عادية الملامح، فبحثت عن شاب وسيم بدون النظر لإمكانياته المادية وتعرفت بالمصادفة على سائق تاكسي قال إنه خريج جامعي ويعمل صباحا في وظيفة حكومية ومساء على التاكسي كي يزيد دخله، ووجدته معجبا بي فعرضت عليه الزواج بدون أن يدفع أي تكاليف، فقط أن يسايرني في الكذب على عائلتي حتى أكمل الشكل الاجتماعي وساعدني على ذلك أني ليس لدي اخوة ذكور ووالدي متوفى، فلم يهتم أحد من الأقارب بالسؤال عنه والتأكد مما ادعيناه عن عمله وعائلته، وبالفعل جهزت أنا الشقة وأسستها واشتريت الشبكة وفستان الفرح وبدلة الفرح للعريس ومستلزماته الشخصية كافة، وأعددت فرحا كبيرا في قاعة محترمة لا يحلم حتى بالحضور فيها كمعزوم، وتزوجت وسط فرحة الجميع وبذلك ودعت لقب عانس واشتريت بعض السعادة التي لم تدم أكثر من عام، فقد كانت هناك فوارق كثيرة بيننا أهمها الفارق في المستوى البيئي والاجتماعي غير الثقافي، أما المادي فكنت أنا رجل البيت، فكثرت مشكلاتنا بدرجة كبيرة وشعرت أنه ليس الرجل الذي أتمنى أن يصبح أبا لأبنائي، وفضلت الانفصال، فلقب مطلقة أخف وطأة بكثير من لقب عانس، وحياتي مستقرة الآن والحمد لله، صحيح أنني لم أتزوج مرة أخرى، لكنني مقتنعة هذه المرة بحسن الاختيار حتى أستطيع إنجاب الأطفال.

خادمة بلا أجر!

أما رباب، فتاة سمراء محجبة، 35 عاما، فتجربتها مشابهة لتجربة سمر مع مكاتب الزواج، غير أنها تعاملت مع أكثر من مكتب ووجدت منهم الاستغلال فقط، حتى نوعية الرجال الذين يتوجهون إلى هذه المكاتب من المستغلين فقط، غالبيتهم يبحثون عن زوجة توفر لهم المتعة الجنسية بدون أي أعباء مادية أو حتى أدبية مثل حق الزوجة في الإنجاب، فمنهم المتزوج أو المطلق ولديه أولاد وبالتالي يبحث عمن تربي له أولاده بدون تكلفة مادية، ودون أن يكون لها الحق في الإنجاب أي: يريدون خادمة بلا أجر، وبالطبع رفضت هذا الاستغلال، ودلتني صديقة على داعية إسلامية تعقد جلسات تعليمية في منزلها بحضور عدد كبير من سيدات العائلات، ومنها تتخذها فرصة لتزويج الفتيات من أبناء تلك الأسر تقربا لله، وبالفعل: ذهبتُ إليها وعرفتها بنفسي وعائلتي وأخذنا نتجاذب أطراف الحديث، كانت من خلاله تختبر ثقافتي الدينية وتحاول معرفة أخلاقي؛ لأنها إذا قبلت التوسط لي فسيكون بضمانتها وهي لا تحب أن تخسر مكانتها بين الناس، وفي نهاية المحادثة بعد أن أثنت على أخلاقي وعلمي وثقافتي وجدتها تسألني عن راتبي وممتلكاتي المادية التي ستخبر العريس عنها، واكتشفت أن ممتلكاتي هي الصفة التفضيلية التي ستجذب بها العريس لي، فرفضت هذا الوضع المعكوس، فإذا كان العريس لن يأتي إلا بسبب ممتلكاتي فهو بكل تأكيد سيعمل على سلبها مني والحصول عليها؛ وبالتالي سأخضع بعد الزواج للمساومة والاستغلال المادي وهذه ليست إلا طريقا للطلاق وليس لزواج مستقر.

أما حنان الفتاة الواثقة من نفسها المنطلقة في الحديث فأوضحت أنها ورغم بلوغها سن السابعة والثلاثين لا تفكر أبدا في الزواج إذا تم عبر تنازلات، مستغربة للمبدأ، وإن اعترفت بأن ذلك من أسباب تأخرها في الزواج، لكنها تؤكد أنها لا تأبه لذلك كونها لا تفتقر إلى الجمال ولا الأخلاق أو حسب الأسرة، متسائلة: لماذا يجب أن أبدأ حياتي بالتنازلات التي تقلل من قيمتي؟ خاصة أنني لست في حاجة للزواج أو العريس في شيء؛ لأنني مستقرة ماديا وأسريا، فإذا جاء ابن الحلال الذي يرغب في الزواج مني لذاتي وليس لما أملكه فأهلا به، وإلا فلا.

نشتري رجلاً

هنا أمسكت سهيلة طرف الحديث، موضحة أن المغالاة في الطلبات المادية هي سبب رئيسي لتأخر سن الزواج، فالشباب برأيها أصبحوا غير قادرين على تلبية تكاليف الزواج في ظل الارتفاع الرهيب للأسعار، وأعطت لذلك مثالا بارتفاع أسعار الذهب الذي جعل كثيرين يستغنون عن الشبكة واضطروا للتيسير على الشباب، وقالت: حدث هذا مع أخي العام الماضي، فعندما تقدم لعروس أعجب والدها بأخلاقه فقال لأخي: لا تهتم بأية أمور مادية، نحن نشتري رجلا، وهو تعبير معروف عند كثير من العائلات التي لا تسعى وراء المادة بل ترغب في الستر، وبالفعل يسر عليه ذلك كثيرا من الأمور مثل الشبكة التي طلبوا منه أن تكون رمزية، واكتفوا بمراسم عقد القران في قاعة مسجد، كذلك الفستان اكتفوا بإيجاره بدلا من شرائه، ووافق والدها على أن يتم الزواج في شقة إيجار جديد؛ لأن شقة أخي التمليك تأخر استلامها، أما أنا فلم أجد إلى الآن الشخص المناسب الذي يتقدم لي كي أشتريه أنا الأخرى، فأنا ملتزمة أخلاقيا وجادة في تعاملاتي مع الآخرين؛ لذا وصلت إلى الخامسة والثلاثين بدون حتى خطبة.

سعادة ابنتي أهم

أما عن رأي الأهل فسألنا والد إحدى الفتيات عن رأيه في شراء العريس فقال: نعم أشتري لابنتي عريسا عندما أكون على ثقة من أخلاقه وأصله، لكن ليس معنى هذا أن أعطيه ابنتي بالرخيص، وذلك ليس لحاجتي للمادة لكن ليشعر هو بقيمتها، فما يجيء سهلا يذهب سهلا، ولعل هذا من أسباب ارتفاع نسب الطلاق بين الشباب، فهم لم يتحملوا المسؤولية، لكني أستطيع أن أيسر عليه الأمر ولا أغالي في طلبات الشبكة والمهر والمفروشات والفرح وما إلى ذلك من طلبات، فسعادة ابنتي أهم من هذه الشكليات ولكن ما أتخذه كأي أب هو الإجراءات التي تحفظ حق ابنتي.

إلى ذلك، أوضحت د. منى عبد الحكيم الأستاذة بجامعة الأزهر أن تأخر سن الزواج من أهم أسباب الفساد والانحراف، ورغم أن رسولنا الكريم دلنا على الطريق الصحيح لتفادي هذا الوضع عندما قال في حديثه الكريم: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إن لم تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير»، نجد الأهل يبحثون عن العريس المتيسر ماديا قبل أي شيء، ولا تهمهم الأخلاق أو الدين، وأسمع أرقاما غريبة وفلكية للمهر والشبكة متناسين حديث النبي: «أقلهن مهورا أكثرهن بركة»، وللأسف أجد المغالاة في المهور تحدث حتى مع العائلات الملتزمة دينيا كنوع من إشعار العريس بقيمة الفتاة التي ارتبط بها كي يتمسك بها بعد ذلك ولا يفرط في زواجه منها أو على حد قولهم لا يبيعها بالرخيص، وهذا مع الأسف الذي صعب الأمر على الشباب، ونسمع الآن عن حوادث الاغتصاب والتحرش التي زادت بشكل كبير وعن حالات الزواج العرفي، وكل ذلك للأسف فساد في الأرض نخشى أن يعاقبنا الله عليه، فقد حذرنا الرسول الكريم قائلا: «يوشك الله أن يعم الناس بعقاب من عنده إذا ذاعت الفاحشة بينهم ولم يغضب أحد». وبدلا من أن ينظر الأهل للمادة كأمان لابنتهم لماذا لا ينظرون للزوج الذي سيقدر عدم مغالاة أهل زوجته في طلباتهم وتيسيرهم عليه، فيضع زوجته في عينيه، ويكرم أهلها ويعاملهم كأهله، وتعم المودة والرحمة بينهم ويكونوا نواة للأسرة الصالحة التي يباهي بها الرسول الكريم كما قال في حديثه: «تناكحوا فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة».