جمال المرأة هو رأسمالها القوي الذي تسعى للحفاظ عليه وتجديده دائما بما يتناسب مع مراحلها العمرية، ولكي تعتني المرأة بجمالها ولتبدو دائما بهية الطلعة فإنها تحتاج إلى الكثير من مستلزمات العناية بالبشرة ومستحضرات التجميل الراقية التي تحافظ على جمالها، ولكنها من ناحية أخرى لها تكلفتها المادية الكبيرة.. فهل جمال المرأة في ظل الأزمات الاقتصادية هو رفاهية أم ثقافة وأسلوب حياة؟، وهل اهتمام المرأة بجمالها يسعد زوجها أم يصبح عبئًا لا يتحمله؟، وهل لو تنازلت المرأة عنه بسبب الظروف الاقتصادية للأسرة سيقدر لها زوجها تلك التضحية أم سيذهب بعينيه بعيدا عنها؟ طرحنا الموضوع على مجموعة من ربات البيوت، فكانت آراؤهن كالتالي:
دعاء -25 سنة- قالت: أعتقد بأن موضوع اهتمام المرأة بجمالها هو موضوع ثقافة عامة، فقد لاحظت من خلال عملي في شركة تضم جنسيات مختلفة أن هناك جنسيات معينة تكون لديهن هذه الثقافة بشكل كبير مثل لبنان، فالمرأة اللبنانية هي أكثر امرأة رأيتها اهتماما بمظهرها وجمالها وعنايتها ببشرتها وشعرها مهما كلفها الأمر، بعكس المرأة المصرية التي غالبًا ما تهمل هذا الجانب من حياتها، وللحق أعتقد بأن ذلك يرجع لعدم الاستطاعة المادية.
أهم من الرفاهية
أما لمياء فقالت: كنت أعتني بنفسي بشكل كبير في الماضي، ولكن مع تزايد أعباء الأسرة بدأت أخفض من نفقاتي على مظهري كثيرا، فبدلا من زيارة الكوافير أسبوعيًا أصبحت مرة في الشهر، ثم صارت الآن مرة كل عدة أشهر، كذلك بالنسبة لاستهلاكي للبارفانات والمكياج، فمسؤوليات الأسرة والتزاماتها المادية أهم من هذه الرفاهية.
لماذا أضحي أنا؟
ولكن سارة العروس الشابة لم توافقها في هذا الرأي، فقالت: لقد اختارني زوجي لإعجابه بمظهري أولاً، فكيف بعد الزواج أفقد الميزة التي تزوجني من أجلها؟ كما أنني عندما فعلت ذلك في فترة من الفترات التي مر فيها زوجي بأزمة مالية لم يقم هو بالمثل بتخفيض نفقاته، بل استخدم ما وفرته أنا في شراء مستلزمات غير ضرورية له، فلماذا أضحي أنا؟.
أما زوجها خالد فأشار إلى أن الرجال أيضا لهم مستلزمات عناية بالجسم وبارفانات خاصة بهم ومصاريف للكوافير، كلها تدخل في ميزانية الأسرة، وبالنسبة له كرجل فهو لا يستطيع الاستغناء عن أي منها؛ لأنه يحتاج إلى بقاء مظهره وصورته الاجتماعية في أحسن حال حتى لا يتأثر عمله، فالمظهر له تأثير قوي وحاسم في نوعية العمل ومستواه، فهو على سبيل المثال يعمل في مجال الكمبيوتر، ويقول: مجالي متاح للكثيرين، وقد يكون منهم من هم أكثر مني خبرة وكفاءة، ولكن الذي ميزني عنهم وجعلني دائما أعمل في شركات عالمية برواتب كبيرة هو مظهري المتميز واعتنائي بنفسي بدرجة كبيرة، وهو ما صرح به أحد المديرين الذين عملت معهم، حيث قال لي إنني أمثل مرآة جيدة للشركة بسبب مظهري المتميز.
التزامات أهم
وعلى عكسه قال المهندس عبدالرحمن مسعود إنه كرجل يجب أن يضرب المثل لأهل بيته في الأزمات المالية، فبالتأكيد سيضحي بكثير مما تعود عليه إذا احتاجت أسرته للمال، كما أنه لن يسمح لمصروفات زوجته أن تكون عبئًا على ميزانية الأسرة، فهذه الأشياء كانت تفعلها عندما كانت عروسًا، أما الآن وقد أصبحت أُمًّا لطفلين فهناك التزامات أسرية أهم بكثير من مستحضرات التجميل، أما عن عنايتها بشعرها فقال ضاحكا: لقد أمرتها بالحجاب حتى نستغني عن مصاريف الكوافير.
وفي عودة لرأي السيدات مرة أخرى، وهذه المرة لسيدة من الطبقة المخملية وهي هالة إسماعيل التي قالت: تعودت منذ صغري على استخدام مستحضرات العناية بالبشرة والتجميل العالمية، فكيف أتنازل اليوم عمَّا اعتدت عليه بسبب الأزمة المالية؟ فهي أشياء أساسية بالنسبة لي، وليست كماليات، كما أن البارفانات ومستحضرات التجميل منتجات لا تستهلك بشكل سريع، بل تدوم لأشهر عديدة، وإذا أردت التوفير فهناك بالتأكيد منتجات أخرى يزيد ثمنها كثيرًا على مستحضرات التجميل يمكننى التوفير فيها مثل شراء الملابس الغالية والمجوهرات مثلا، أما بالنسبة للتجميل فلن أشتري ما يزيد على احتياجاتي، لكنني لن أتوقف عن شراء ما اعتدت عليه، وإنما أستطيع التوقف عن تجربة منتجات جديدة أو شراء هدايا لصديقاتي من ماركات غالية الثمن.
المرأة اللبنانية
وهنا يرى محمد عاطف الاستشاري التسويقي أن الاستهلاك يرتبط بالمستوى الاجتماعي والثقافي، وكل شريحة اجتماعية لها متطلباتها وأسلوب إنفاقها الذي يختلف بشكل كبير عن الشرائح الأخرى، وكذلك فهو يختلف من دولة لأخرى، فقد ذكرت التقارير والأبحاث التسويقية الأخيرة، وأذكر منها تقرير شركة «ايبوك ميسى فرانكفورت» وهي الشركة التي نظمت معرض «بيوتى ورلد الشرق الأوسط» بالإمارات لعام 2010 - أنه رغم الأزمة الاقتصادية العالمية فإن هناك نموًا كبيرًا في قطاع مستحضرات التجميل والعطور والعناية بالجسم والشعر يصل إلى 12% في سوق يبلغ حجم مبيعاتها بالمليارات، والمعروف أن الإمارات من أعلى نسب الاستهلاك عربيًا في هذا القطاع السوقي، ولكن السعودية تتفوق عليها وبفارق كبير، فالسعودية هي الأعلى استهلاكا في الشرق الأوسط لهذه المنتجات، وأشار التقرير إلى أن نساء السعودية أنفقن العام الماضي وحده قرابة الاثنين ونصف المليار دولار على هذه المنتجات، أما في مصر فيصل الانفاق إلى ثلاثة مليارات جنيه، وهو يعد إنفاقًا كبيرًا بالنسبة لمستويات الدخل والإنفاق، لكنه ليس كبيرا قياسا لعدد السكان، بينما في دولة صغيرة مثل لبنان نجد أن جانبًا كبيرًا من دخل الأسرة ينفق على شراء منتجات العناية بالجسم ومستحضرات التجميل؛ لذا فالسوق اللبنانية من أكثر الأسواق الواعدة في هذا المجال، ولكن كما أننا نتحدث عن منتجات تتسم بالرفاهية فيجب أن نشير إلى أن غالبية المتعاملين مع هذا القطاع السوقي هم الفئة العليا أو الأكثر رفاهية في المجتمع، وكلما اتجه مؤشر الدخل إلى الأسفل زادت نسبة الاستغناء عن هذه المنتجات في مقابل منتجات أساسية أخرى مثل المصروفات المدرسية.
بدائل
وتتدخل في الحديث بوسي سليم مديرة فرع إحدى الماركات العالمية في قطاع التجميل ومستحضرات العناية بالبشرة، وتقول: بالتأكيد هناك تأثر نلحظه في بعض الأحيان، ولكن ذلك ينطبق على الفئة التي لم تتعود على استعمال تلك المنتجات لفترة طويلة، فيمكنها استبدالها بأخرى أقل سعرًا، ولو كانت الأزمات الاقتصادية ستجعل النساء يتوقفن عن شراء مستحضرات التجميل لكانت غالبية الشركات العالمية قد أغلقت، خاصة خلال الأزمة الاقتصادية العالمية السابقة، ولكن أستطيع القول إن هناك مواسم تنشط فيها المبيعات بشكل كبير مثل الإجازات والأعياد، خاصة وأن جانبا كبيرا من مبيعاتنا يكون على شكل هدايا، أما من تعودت على الاستخدام الشخصي فلا تستطيع التوقف عما اعتادت عليه، وإنما على أقصى تقدير يمكنها مثلا الاختيار من ماركة أخرى أقل سعرًا بدلا من شراء عدة قطع أقل أو انتظار فترة العروض الخاصة والتخفيضات التي تشهد بالفعل إقبالًا كبيرًا، ويجب أن أشير إلى أن هذا القطاع لا يعتمد على المرأة فقط، فمبيعات مستحضرات الرجال كبيرة أيضا؛ لأنه أصبح هناك وعي كبير لدى الشباب بأهمية العناية بالمظهر من خلال الاهتمام بالعناية بالبشرة والجسم؛ مما يحدث فرقًا كبيرًا في الطلة والمظهر للشاب.
الإعلام والإعلان
أما نهى عبدالرحمن مديرة إحدى ماركات العناية بالجسم والشعر العالمية فقالت: لقد ساهم الإعلام والإعلان بشكل كبير في خلق الطلب على المنتجات المتميزة والعالمية ورفع الوعي بأهميتها، وذلك من خلال إظهاره مدى الضرر الذي تسببه المنتجات الرخيصة والمقلدة للبشرة، وأعتقد بأن عيادات الأمراض الجلدية مليئة بضحايا هذه المنتجات لما تسببه من أضرار كبيرة للبشرة والشعر؛ لذا فالمنتجات العالمية ينطبق عليها المثل القائل: «الغالي ثمنه فيه»؛ لذا فهي ليست منتجات رفاهية بالنسبة لشريحة كبيرة من المجتمع، بل منتجات أساسية حتى بالنسبة للطبقة الوسطى، فمثلا كنا نجد المرأة المتوسطة الدخل التي ترغب في صبغ شعرها كانت تهتم بالتكلفة دون النظر لجودة أو ماركة الصبغة المستخدمة، وهو ما لم نعد نراه الآن، بل على العكس، يتركز بحثها الآن على ماركة صبغة الشعر، وذلك حتى تتأكد من عدم وقوع الضرر على شعرها؛ مما يكلفها أكثر في علاجه بعد ذلك، كذلك أصبحت تهتم بكريمات العناية بالشعر، ويرجع ذلك للصورة التي رسمها الإعلام للمرأة الجميلة وبحث الرجال الآن عن هذه الصورة؛ لذلك نجد المرأة الذكية تحرص بشكل كبير على مظهرها حفاظًا على زوجها وبيتها؛ لأنه سيبحث عن البديل، ويتهمها بالتقصير إذا هي أهملت في اعتنائها بنفسها.
